لعل الشعب السوداني يستطيع الغفران
د أحمد خضر

لعل أهم تداعيات الثورة المجيدة هذه المعاناة النفسية التي يعانيها الكيزان، بالرغم أن بعضهم يكابر زاحفاً مرتديا نفس ثوب الانقاذ، والبعض الآخر يكابر مرتدياً جلد السحالي مدعيا أن الثورة قد سُرقت منه، والبعض فيهم آثر الصمت، ولا ندري هل هو صمت تعقل أم صمت يكتنز التآمر وانتظار فرسة انكسار صف الثورة للانقضاض على المشهد من جديد؟؟ وفي كل الأحوال إن كانوا يفقهون؛ ليس المطلوب منهم الصمت ولا الزحف مكابرة ولا التلون خداعاً.
بل المطلوب الحقيقي الآن الإقرار بخطل التجربة وسقوطها الداوي في ميادين القيم والأخلاق وطلب العفو والمغفرة لدي الشعب. والمطلوب منهم ايضاً إستعادة أنفسهم من السقوط في براثن الهزيمة الأخلاقية المؤدية للعزلة او الإنكار المؤدي لانشطة عدمية يمكن ان تدمر كل فرص اندماجهم مجدداً في المجتمع السوداني ان لم يكن الآن ففي المستقبل.
فالصمت منذ ٨٩ على إقصاء الآلاف “جريمة” والتعامي عن التعذيب والإغتصاب “مشاركة”والتبرير للقتلة “تواطؤ”
فجرائم القتل والاغتصابات والسحل والتعذيب كانت محيط جميع الكيزان ومن لم يقتل أو يغتصب أو يعذب، فهؤلاء القتلة كانوا أصدقاءه وأحبابه الأقربين.
وكل من شارك في أغلب المناصب القيادية والجهات الامنية بمختلف أفرعها، والتي ما كانت الا لحماية الكنز وتوظيف لمصلحة اللصوص والمفيدين. وقد قامت فلسفة الانقاذ على تمكين التنظيم وعناصره من كل مقدرات وثروات البلاد، واي مشاركة أو صمت ممن شاركوا الكيزان في الحكم، تعتبر جريمة تتساوى مع جريرة المنفذين المباشرين للجرائم بحق الشعب والوطن وتندرج في إطار التمويه والتزيين (decoration) لأقبح الجرائم التي إستمر التنظيم في تنفيذها كل فترة الحكم.
بل إن دور الكيزان الأساسي وعلى كل المستويات والمواقع كان المشاركة في قمع أى إتجاه لتغيير الواقع، وباسم الدين، وفي اطار ذلك الدور فإن الإغتصاب والسحل والقتل كلها أفعال مطلوبة ومبررة.
ولكن محاولة إستعادة الكيزان من وصمة ثلاث عقود تعتبر محاولة صعبة ولكنها ليس مستحيلة، ولا تتأتى بمحاولات إعادة عقارب الساعة الي الوراء بزحف أخضر يابس او إجتماعات هزيلة وإستئجار البصات بواسطة نفس الشخوص الي أطراف السودان بعد أن تعذر لهم ذلك في الوسط.
ولا تتأتى عودة تلك الشخوص من دنس تجربة الإنقاذ البائسة بالمشاركة في الحملات المنظمة لنشر الإحباط وسط الجماهير والترويج لفشل الحكومة الانتقالية بواسطة عناصرهم الظاهرة والمدسوسة، ولا بلبس ثوب السحالي والإدعاء بأن الثورة التي قامت قومتها المضرية عليهم وسحقتهم سحق وقهرتهم قهر حتى ولوا الأدبار؛ قد قام بها الكيزان، في أسوأ فرية يشهدها التاريخ ولا يصدقها احد.
إنهم مطالبون بالإعتراف بكل الجرائم التي إرتكبوها في حق الوطن والمواطن وبدور كوادرهم في إعتقال الوطن وتكبيله وتقزيمه، وقهر شعبه لثلاث عقود. ولما كانت هذه الأفعال القبيحة تصدر كفرمانات من أعلى القيادة وتنفذها كل القاعدة فان الواجب الوطني يغتضي محاسبة الجميع تنظيماً وافراد. التنظيم بالحرمان من النشاط العلني تحت إسمه واعتبار ذلك جريمة تستوجب العقاب، وأما الأشخاص المرتكبون للجرائم فالواجب ان يُقتص منهم كيفما كانت الجريمة.
واذا كان الكيزان يحلمون بالعودة للعب اي دور وطنى مجدداً، فإن المطلوب منهم الآن، ليس مجرد الصمت، فضلا عن الصراخ، بل المطلوب محاسبة ومراجعة النفس والكشف عن وثائق الفساد وخطط ووسائل التمكين. أي أن المطلوب دور إيجابي من أجل بناء وطن ديمقراطي تحكمه المؤسسات وآليات الحكم الثابتة التي تسع الجميع وفق المؤهلات وبلا ادني تفضيل ووفق الشعارات التي إرتضاها وأجمع عليها السودانيون ودفعوا تحت راياتها العرق والأرواح والدماء (حرية سلام وعدالة). ولعلَّ المجتمع بعد كل ذلك يستطيع الغفران…

التعليقات