الحُكم العسكريّ السوداني يفك ارتباط بلاده العربيّ ويُجاهر علنًا بدعم إثيوبيا ضِد مِصر وفي قلبِ الجامعة العربيّة.. لمصلحة من هذا التّواطؤ لتجويع ملايين المِصريين؟ ومن يَقِف خلف هذا التحوّل السوداني الرسميّ الخطير؟ وما هي المُفاجآة القادمة؟

لم يُفاجئنا موقف السلطات السودانيّة الجديدة مُمثّلةً برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان “المُتحفِّظ” على قرار لوزراء الخارجيّة العرب يدعم موقفيّ مِصر والسودان تُجاه سد النهضة الإثيوبي، لأنّ هذه السلطات تُريد فكّ ارتِباط السودان تدريجيًّا بالهُوية العربيّة ولمصلحة نظيرتها الإفريقيّة مُتذرّعةٍ بتقديم المصالح السودانيّة، مائيّةً كانت أو اقتصاديّة، عن أيّ قيم وروابط عربيّة أو إسلاميّة.
كان هذا التحوّل واضحًا، ومُنذ الإطاحة بالرئيس الفاسد عمر البشير، وحُكم ثورة الإنقاذ التي كان يتزعّمها من خِلال اتّخاذ المجلس العسكريّ السوداني بقِيادة الفريق البرهان قرارًا بالوقوف على “الحِياد” فيما يتعلّق بالأخطار التي يُشكّلها سد النهضة الإثيوبي على مِصر والسودان دولتيّ المصَب والممر، ورفض التّوقيع مِثل مِصر، بالأحرف الأُولى على الاتّفاق النهائيّ الذي تمخّضت عنه مُفاوضات واشنطن الثلاثيّة وانعقدت بدعوةِ إدارة الرئيس دونالد ترامب ورعايتها، وهو الموقف الذي صبّ في خدمة الرّفض الإثيوبي لهذا الاتّفاق، والانسِحاب من المُفاوضات بالتّالي.
يُجادل الكثير من النّاطقين السودانيين الدّاعمين لموقف حُكومتهم بأنّ السّد الإثيوبي سيُقدِّم عدّة خدمات لبلدهم، أبرزها الحُصول على كميّات من الكهرباء التي سيُولّدها السد تُغطِّي احتياجاتهم من الطّاقة كاملة، وبأسعارٍ رخيصة، مُضافًا إلى ذلك أنّ السّد سيمنع حُدوث الفيضانات التي تُدمِّر كميّات كبيرة من الأراضي المزروعة والتّقليص من كميّات الطمي، والسودان يجب أن يُعطي الأولويّة القُصوى لمصالحه وشعبه بعيدًا عن الشّعارات “القديمة المُستَهلكة” حول الوحدة الإسلاميّة، أو القوميّة العربيّة، ويُوجِّه هؤلاء انتِقادات عديدة لمِصر تتمحور حول سيطرة القوّات المِصريّة على مُثلّث حلايب وشلاتين المُتنازع عليه بين البلدين لتبرير السّياسات الجديدة.
مشاكل السودان الاقتصاديّة لم تكن بسبب انتِمائه العربيّ أو الإسلاميّ، أو الخِلاف على مثلّث حلايب مع مِصر، وإنّما بسبب فساد حُكوماته، واستِبداد الديكتاتوريّات، وغِياب الحُكم الرشيد، والأمّة العربيّة وقفت مع السودان في جميع أزماته، ودعمت مجهوده العسكريّ لمنع انفصال الجنوب وإقليم دارفور، واستوعبت أسواق العمل الخليجيّة ملايين السودانيين، ومن مُنطَلق الأخوّة العربيّة والإسلاميّة، وما زالت، ومهما قدّمت إثيوبيا من خدمات فإنّها لن تُقدِّم أعشار ما قدّمه العرب للسودان.
صحيح أنّ الروابط العربيّة والإسلاميّة تضعضعت في العُقود الأخيرة بسبب الحُروب النّاجمة عن التدخّلات العسكريّة الأمريكيّة على وجه الخُصوص، ولكنّها مرحلة مُؤقّتة، وسيتم تجاوزها مِثلما تجاوزت الأمّة العربيّة أزَمات عديدة أكثر خُطورةً.
هُروب الحُكم الجديد في السودان إلى إثيوبيا ودولة الاحتلال الإسرائيلي لن يُؤدِّي إلى حلِّ مشاكل السودان الاقتصاديّة، ونتمنّى أن يطّلع أصحاب هذه المدرسة الانهزاميّة على أحوال الدول التي سارت على النّهج نفسه ووقّعت اتّفاقات مع الإسرائيليين، حيث تراكمت الدّيون بالمِليارات، وتراجعت اقتصاديّاتها بشكلٍ مُرعب، وعلى رأس هؤلاء مِصر والأردن والسّلطة الوطنيّة الفِلسطينيّة.
لا نعتقد أنّ الشعب السودانيّ الوطنيّ الطيّب سيقبل بهذه المواقف الذي يتفرّد فيها المجلس العسكري، وتُريد فصل السودان عن أمّته وطمس هُويّته العربيّة والإسلاميّة، وتوتير العُلاقة مع مِصر، الدّولة الأقرب إلى السودان، بحُكم الرّوابط التاريخيّة والاجتماعيّة، والصّمت على المُؤامرة الإثيوبيّة المدعومة أمريكيًّا وإسرائيليًّا لضرب أمنها المائيّ وتجويع الملايين من أبنائها.
مِصر الدولة والشّعب تحتاج إلى كُل دعم عربيّ وإسلاميّ في مُواجهة هذه المُؤامرة، والأخطار “الوجوديّة” التي يُمكن أن تترتّب عليها، ومن السودان خُصوصًا الشّريك في مِياه النيل، والمُوقّع على كُل الاتّفاقات التي تحفظ الحُقوق والمصالح المائيّة المُشتَركة للبلدين، ومن العار أن يتم التخلّي عن الشّقيق والجار المِصري في هذا المُفترق الصّعب، حتى لو كانت هُناك خِلافات حُدوديّة معَه في مثلّث حلايب.
مِصر لا تُطالب إلا بحصّتها المشروعة من المِياه التي كفلتها الاتّفاقات الدوليّة، وإذا تمّ اقتِطاع جُزء منها، وبتواطؤٍ من الحُكومة السودانيّة، فإنّ هذا يُعتبر خيانةً عُظمى لا يُمكن غُفرانها، أو هكذا نعتقد في هذه الصّحيفة “رأي اليوم” التي تُقَدِّر للسودان وشعبه مواقف وطنيّةً إسلاميّةً لا يُمكِن نُكرانها.
لن نتوانى لحظةً بلوم السّلطات المِصريّة السّابقة والحاليّة، التي انكفأت على نفسها، وتخلّت عن دورها القِيادي للأمّة، وهادنت العدو الإسرائيليّ، فمِثل هذه المواقف والسّياسات، لَعِبت دورًا كبيرًا في تشجيع الحُكم السوداني الحالي، وحُكومات عربيّة أُخرى على التّطبيع مع العدو الإسرائيليّ وفكّ الارتباط مع قيم العُروبة والإسلام، وتغوّل هذا العدو سواءً بدعمِ سدّ النهضة وتحريض إثيوبيا على تهديد الأمن المائيّ، أو تصفية القضيّة الفِلسطينيّة من خِلال “صفقة القرن” وتمهيد الطّريق لقِيام إسرائيل الكُبرى.
مِصر تَقِف على حافّة الحرب مع إثيوبيا للحِفاظ على حصّتها المشروعة من مِياه النيل، الأمر الذي يُحتِّم على جميع العرب والمُسلمين الوقوف في خندقها وعلى رأسهم السودان الشّقيق، فالشّقيق في وقتِ الضّيق، ونتمنّى أن نعرف موقف الشعب السوداني الذي فجّر ثورة، وقدّم شُهداء من أجل الإصلاح الدّيمقراطي في البِلاد من هذا التفرّد بالقرار للمجلس العسكريّ تحت أعذارٍ مُخادعةٍ ومُضلّلة.
“رأي اليوم”

التعليقات