في ظل مناخ الحرب والإحباط واليأس، نجد نموذجا في بلادنا توحد حوله أهل السودان بكل سحناتهم ولهجاتهم، لوحة على قمتها الإمام المهدي والخليفة عبد الله من الغرب وعثمان دقنة من الشرق والخليفة علي ودحلو من الوسط والخليفة شريف من الشمال وهنالك رموز كثيرة مثل محمد الخير وأبي عنجة والنور عنقرة ومحمود ود أحمد وأبي قرجة والشريف أحمد ودطه والشيخ ود بدر والشيخ عامر المكاشفي والعطا ود أصول وغيرهم كثر جسدوا الوحدة الوطنية والإباء، فهل نجعل من المحنة فرصة لاستعادة ما ضاع منا؟

أمانة التكليف تقتضي أن يكون كل إنسان مكلف قدر طاقته ومحاسب على قدر فهمه وعطائه، والتاريخ ساحة للاعتبار يستفاد منه ولكن لا يقلد تقليدا أعمى، فكل نفس بما كسبت رهينة، وعطاء السابقين يُحْترم ولكنه لا يقلَّد قال تعالى: “تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” والمهدية في السودان لها اجتهاد ديني وعطاء وطني، فهي التي شكلت السودان الحديث بحدوده الجغرافية ذات المليون ميلا مربعا قبل انفصال الجنوب، وحافظت على وحدته وكرامة أهله.
إن ما قدمته المهدية في مجال الاجتهاد الديني وتجديد التدين ينظر إليه من زاويتين: زاوية الثوابت وزاوية المتغيرات؛* فالثوابت تتمثل في إعادة المسلمين إلى الأصول التي قام عليها الإسلام وهي الالتزام بالكتاب والسنة على المنهج الذي طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم وجسدته السيرة النبوية وسار عليه الخلفاء الراشدون وصحابته الكرام، وقد لخص الإمام المهدي هذا المنهج بقوله:” واجعلنا وأصحابنا على أثر بيك محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ولا تزغ بنا عن سكتهم إلى أن نلقاك سالمين من الآثام”. وأما المتغيرات فهي التطبيقات الجزئية للأحكام مراعاة لحال الزمان والمكان والأشخاص، وطريقة التعامل مع المستجدات في تلك المرحلة، فهي اجتهادات صلحت لذلك الزمان وقد لا تصلح لزماننا هذا، فالتعامل في هذه الحالة يكون مع المنهج وليس مع التطبيقات الجزئية، وقد أشار إلى هذا الفهم الإمام المهدي نفسه بقوله: “لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال”. هنالك اعتقاد شايع أن المهدية قهرت الرأي الآخر ومنعته من ممارسة حقه. وأنها -أي المهدية- كانت متشددة في أحكامها، وأن المنتسبين إليها قد تجازوا في أحكامهم.. إلى آخر تلك التهم التي ووجهت بها المهدية.. نقول: التساؤلات كلها مشروعة؛ لأن الإنسان خلق حرا ومن حقه أن يشك حتى يطمئن، ولكن علينا أن ندرك أن هناك تهم كان وراءها الاستعمار؛ فمن وسائله الإشاعة وإثارة الشكوك والتشهير لإضعاف الروح المعنوية ولإبعاد الناس من الدعوة وأهلها. ومع ذلك نقول: المهدية ينظر إليها من زاويتين: زاوية الدعوة. وزاوية الدولة، فالدعوة لا شك أنها ثورة فكرية وروحية وجهادية شهد لها الخصوم قبل الأصدقاء. وأما المهدية الدولة فهي تجربة بشرية تحتمل الخطأ والصواب؛ وقد تحدث فيها تجاوزات فردية وجماعية ومن قبل السلطة الحاكمة تلك هي سنة الحياة؛ كذلك كانت الدولة محاطة بعوامل فرضت عليها أن تتبع سياسات مغايرة للمألوف، فقد تكون صارمة في بعض الأحيان ولكنها عادلة بمقاييس زمانها: ولكي نفهم التطبيقات التي اتبعتها المهدية في تلك المرحلة والتي قد تبدو في نظرنا متشددة لا تتماشى مع عصرنا الحالي الذي تغيرت فيه كثير من المفاهيم لا بد أن ننظر إلى محددات المرحلة التي طبقت فيها وأبرز تلك المحددات الآتي: العامل الأول: هو طغيان الحضارة الغربية حتى فتن الناس بها. فكان لا بد من تأكيد الاعتزاز بالإسلام والانتماء إليه وقدرته على التغيير والتطور. العامل الثاني: تواطؤ العلماء مع الحكام وسكوتهم عن النصح وتبريرهم لتصرفات الحكام الظالمين وتركيزهم على القشور وهجرهم لروح الدين. العامل الثالث: أن الدولة المهدية دولة تكوينية ومحاطة بظروف فرضت عليها أن تتشدد في بعض الأمور لتأكيد المغايرة وتثبيت مفاهيم معينة اندثرت مع الزمن. هذه العوامل وغيرها فرضت على المهدية أن تتعامل بذلك الأسلوب، ولكن صاحب الدعوة نفسه أكد أن تلك السياسات غير ملزمة للذين يأتون من بعده؛ لأن ظروفهم تختلف فقال: “لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال”.
ما هو عطاء المهدية في مجال التجديد وفتح الباب للاجتهاد وتغيير المفاهيم لتتعامل مع الإسلام تعاملا يجعل المسلم متفاعلا مع تعاليمه وأحكامه بصورة تجسده في واقع الحياة؟ أولا: هنالك ثلاثة عوامل أقعدت بحركة الإسلام وأضعفت المسلمين، تلك العوامل هي: الاستبداد السياسي، والجمود الفكري، والظلم الاجتماعي. وهي عوامل متداخلة فإذا ظهر واحد منها لحقه العاملان الآخران. فالاستبداد السياسي سلب الأمة حريتها وكرامتها وحقها في الاختيار؛ مما أدى إلى حالة وصفها الكواكبي في كتابه الشهير “‘طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” بأنها أشبه بحالة الأجهر الذي يتألم من النور. والجمود الفكري جاء نتيجة طبيعية لتعطيل عقل الإنسان وتجميد حركته بمنع الاجتهاد وإغلاق بابه بتلك الفتوى الكارثة التي جلبت للأمة خبالا لم تستطع التخلص منه حتى يومنا هذا. والظلم الاجتماعي ضيع مقاصد الإسلام وأهدر حقوق الشرائح المستضعفة في المجتمع، وأعاد ممارسات الجاهلية التي حاربها الإسلام بشدة حتى قضى عليها في صدر الإسلام.. هذه العوامل هي التي فتحت الباب للتقليد والتسلط وهيأت الأمة للاستعمار الذي استولى على بلاد المسلمين قطرا قطرا فسلب شعوبها حريتهم واستنزف مواردها وانتهك حرمتها وقيمها. فكان عطاء المهدية في هذا المجال يتمثل في تحرير العقل من الخضوع لغير الله بترسيخ معنى: “ولا تصرف لأحد منهم له إلا بقدرتك وأنت تعلم منهم ما يعلمونه من الباطن وظاهر الأركان” ليكون التوحيد فهما واعتقادا يثمر سلوكا فاعلا في الحياة، وحرر العقل من التقليد للسابقين، وأحيا مفهوم أن المال مالكه الحقيقي هو الله والإنسان مجرد مستخلف فيه. ثانيا: الفكر الإسلامي عرف المهدية استنادا إلى نصوص وردت في السنة، ولكنه اختلف في تصوره للمهدية إلى عشر مدارس كلها تقول بالمهدية ولكنها في الغالب مدارس تقوم على الانتظار السلبي ليأتيها الفرج من السماء دون أن تجتهد أو تنظر إلى الأمر بصورة أعمق. ولكن المهدية في السودان جاءت بمدرسة جديدة أخرجت الفكر المهدوي من القوالب الطوباوية الخيالية القاعدة، إلى فكر حي متحرك قوامه المهدية الوظيفية فأحيت الدين بعد مواته واستنهضت الهمم وشحذت العزائم وأحدثت التغيير المطلوب. لقد جاءت الدعوة المهدية في السودان بمفاهيم واضحة تتمثل في الإحياء والتجديد والاتباع، فقد حدد الإمام المهدي عليه السلام أهداف الدعوة في عبارات واضحة: “أنا عبد مأمور بإحياء الكتاب والسنة المقبورين حتى يستقيما”. حيث استعمل مصطلحا مقصودا لذاته وهو أن يكون الدين حيا في سلوك الفرد وممارسات المجتمع، لا مجرد مصاحف مطبوعة في الكتب ومحفوظة في الصدور دون أن تتمثل في السلوك، ولا مجرد سنن مدونة لم يتأس بها *المؤمنون بالرسالة الخاتمة؛ فما فائدة الدين إذا انحصر في نصوص تحفظ دون أن يكون لها تأثير على الواقع، قال تعالى:(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ(البقرة-177)).
والعبارة الثانية هي قول الإمام المهدي عليه السلام: “لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال”.. هذه العبارة حددت بوضوح أن هنالك ثوابت في الإسلام وهنالك متغيرات، فالمتغيرات أحكامها مرنة ومتحركة لتلائم كل عصر وتستجيب لحاجات الإنسان الفطرية، لكيلا يدخل في الحرج. إن أكبر خطأ شل حركة الفكر الإسلامي هو التعامل مع أحكام المعاملات قياسا على الثوابت! مما جعل المسلم أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن يلتزم بأحكام دينه ويتجاهل عصره فيدخل في حرج، وإما أن يعيش عصره فيتخلى عن دينه. وهذا الحرج سببه الفهم الخاطئ لأحكام الدين، فالمهدية أخرجت الفكر الإسلامي من قميص الحديد الذي أُلبسه فصار المسلم يلتزم بدينه ويعيش عصره في اطمئنان ورضا. قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(القصص-77)).
والعبارة الثالثة في فكر المهدية هي ما قاله الإمام المهدي: “إن أمرنا هذا أمر اتباع لا أمر ابتداع”. فالمهدية تجديد للإسلام وإحياء لشبابه وليست شيئا مبتدعا، وهي تستمد قوتها من الفهم الصحيح لروح الإسلام وتحقيق مقاصده، قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(فصلت-33)).
ثالثا: أدركت المهدية التنوع الثقافي والديني والإثني في السودان فتعاملت معه بواقعية وإدراك للخصوصية، فرايات المهدية تعبر عن التنوع الثقافي والإثني، وتعاملت المهدية مع أهل الجنوب على أساس أنهم أصحاب عهد وليسوا أهل ذمة، ولذلك عمَّدت زعماءهم كأمراء على مناطقهم واستنفرتهم لتحرير البلاد من المستعمر دون أن يكونوا مسلمين، والوقائع التاريخية تؤكد ذلك.
رابعا: لقد حققت المهدية للسودان التحرير، والوحدة، والشهرة، وأكملت حلقات الإسلام فيه بإقامة التشريع. ورسخت الثقافة القومية؛ متجاوزة بذلك القبلية المتعصبة، والجهوية المتخلفة، والعنصرية المتعفنة، إلى حيث المساواة، والتسامح، والانتماء الأوسع؛ وطنيا وعقديا. لقد حافظ أنصار الله على التربية المهدية التي تهتم بالدين والوطن في آن واحد وتستصحب إيجابيات الفرق الإسلامية الأخرى دون تنكر أو تكفير، وخير وصف للمهدية ورد في عبارة الشيخ الطيب البصير حيث قال: “الطريقة فيها الذل، والانكسار، وقلة الطعام، وقلة الشراب، والصبر، وزيارة السادات. والمهدية فيها ستة: الحرب، والحزم، والعزم، والتوكل، واتفاق القول، والاعتماد على الله. فهذه الإثنى عشر لم تجتمع إلا للمهدي”.
خامسا: نحن أنصار الله علينا أن ندرك أننا نعيش في مرحلة جديدة، تبلورت فيها الأنصارية في مدرسة فكرية حددت مسارها بوضوح، وبينت أهدافها، وميزت بينها وبين مدارس الانكفاء والتبعية والانهزام.
هذه المرحلة مقوماتها الفكرية :
1-التوفيق بين الأصالة والمعاصرة.
2-الالتزام بالقطعيات من النصوص الشرعية.
3-الاجتهاد في الظنيات للتعامل مع المستجدات.
4-الاعتراف بالآخر المذهبي والآخر الملي.
5-التسامح الديني والمعاملة بالبر مع الآخر.
6-الاستفادة من تجارب الإنسانية النافعة.
7-التعاون مع جميع الخيرين لتحقيق خير الإنسانية.
وآلياتها المؤسسات المتخصصة ذات الشخصية الاعتبارية.. هذه الأهداف لا تتحقق بالحماس وحده، ولا بالأماني، ولا بالقعود والانتظار، وإنما تتحقق بالتخطيط العلمي المدروس، والأخذ بوسائل العصر، وعلو الهمة، والارتفاع عن الصغائر؛ حتى نصل إلى صنعاء وإن طال السفر. ولنا في مهدي الله الأسوة حيث قال في الراتب يناجي ربه: “واجعل لنا منك نصيرا على أنفسنا وشياطين الإنس والجن واجعل بدلها في قلوبنا نورك لنَفِيَ بالصدق ونقوم بالحق ولا نتزلزل عن رضائك إلى يوم لقائك، يا أرحم الراحمين”.
علينا أن نعلم أن كل المصلحين من لدن الأنبياء والمرسلين والتابعين لهم بإحسان تعرضوا للابتلاءات والظلم من ذوي القربى ومن الحاسدين بالإساءة والتجريح والتلفيق والتهم الكاذبة بقصد تشويه صورتهم أمام العامة ولكن الله حفظهم ونصرهم، وكان أكثرهم أذى هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال له ربه بعد أن أقسم بالنون والقلم وما يسطرون: ” ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإن لك لأجرا غير ممنون، وإنك لعلى خلق عظيم، فستبصر ويبصرون، بأييكم المفتون”؟ فلنطمئن ما دمنا على الدرب سائرين.

التعليقات