كما كان متوقعا، لم يجد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك مناصا من تقديم استقالته،، فقد قبل الرجل العمل من الانقلابيين الذين غدروا به وبمجلس وزرائه، ثم اكتشف ان مسلسل الغدر مستمر، حيث ما زال البرهان يتصرف وكأنه حاكم بأمر الله، يصدر الفرمانات التي تعزز من قبضته على مفاصل الحكم، ووجد حمدوك نفسه عاجزا عن إعادة من فصلهم البرهان من الخدمة الى مواقعهم، وعاجزا عن حقن الدماء لأن آلة الموت الانقلابية استمرت في حصد الأرواح (ثلاثة شهداء آخرون في أم درمان مساء أمس)، ثم جاء فرمان البرهان بمنح الأجهزة الأمنية شيكا مفتوحا لتفعل ما تشاء دون حساب أو عقاب، فأدرك حمدوك أنه بلا حيلة في مواجهة عسكر عازمين على تسيد المشهد وأنهم يريدون منه ان يبقى كمجرد ديكور “مدني” لسلطتهم
وباستقالة حمدوك يصبح الحكم عسكريا عضوضا، لأن حمدوك كان يوفر له قشرة مدنية، وباستقالة حمدوك ينتهي الانقسام في صفوف الثورة، فقد كان قسم من الثوار يعتقد ان وجود حمدوك في المشهد بعد انقلاب 25 أكتوبر ل”حكمة”، وأنه يستطيع هزيمة الانقلاب من “الداخل”، وها هو الرجل يعلنها قبل ساعات أنه فشل في كل جهد بذله ليؤدي مهام وظيفته كرئيس للحكومة، وغني عن القول ان العسكر الذين وضعوا المتاريس أمام حكومات حمدوك المتعاقبة كانوا يريدون له ان يفشل هذه المرة أيضا حتى يجدوا ذريعة ل”حرقه” والتخلص منه
وهناك من سيلطمون الخدود ويشقون الجيوب لأن حمدوك استقال، وكأنما رحم حواء السودانية عقيم وكأنما مصير البلاد رهن بمشيئة فرد واحد، بينما حقيقة الأمر هي ان حمدوك أدرك أنه أخطأ التقدير عندما ارتضى ان يعمل مع السلطة الانقلابية، وباستقالته يكون قد صحح ذلك الخطأ، وبالتأكيد فان الاستقالة جعلت المشهد اكثر تعقيدا، ولكنها وفي نفس الوقت ستجعل الشارع الثوري موحدا في غاياته، وحتما فإن حكم العسكر الى سقوط، وحتما ستأتي حكومة مدنية لا يكون قوامها انتهازيون ولصوص الكراسي؛ والمستقبل يبدأ الآن

التعليقات