“لا يمكن مصافحة القبضة”، هذه العبارة منسوبة لرئيسة وزارء الهند الراحلة أنديرا غاندي .. وأيّاً كانت صحة نسبتها فهي عبارة تختزن مغزىً عميقاً، فالقبضة تعني إضمار نية الضرب والاستعداد الفعلي له، ولذلك فمن غير الطبيعي أن تُقابَل بكفٍّ مبسوطة للمصافحة وإنما الطبيعي أن تُقابَل بالحذر والتهيؤ لصدِّها.

ترتبط هذه المقدمة بالموقف الذي أعلناهُ بأن أية عملية سياسية يجب أن تسبقها إجراءات تهيئة المناخ، بحيث يتم إنهاء وضعية “القبضة” الأمنية التي ما انفكّت سلطة الانقلاب ترتكز عليها لقمع الحراك السلمي المناهض لها، حتى جاوز عدد الشهداء المائة بارتقاء الطفلة الشهيدة “روان طارق” قبيل ساعات من انطلاق اجتماع اليوم الذي دعت له الآلية الثلاثية، كما استمر تدفق الدماء الزكية من شرايين الجرحى وسوق المقاومين السلميين للاعتقال التعسفي ..كما ترتبط هذه المقدمة بتمسكنا بموروث شعبنا النضالي المتمثل في عدم الاستسلام للقبضة الأمنية ومواجهة أنظمة الانقلابات وهزيمتها بالمقاومة السلمية والوسائل السياسية عبر جبهة عريضة.

كذلك لا بدّ من أن تبدأ العملية السياسية بالاعتراف بأن الصراع المستمر منذ ٢٥ أكتوبر الماضي هو بين الانقلاب وداعميه وبين من يتصدون له بالمقاومة السلمية والوسائل السياسية لإنهائه واسترداد مسار التحول المدني الديموقراطي، إذ بغير هذا التعريف تتحول العملية السياسية إلى مونولوج سياسي بحيث تتحاور سلطة الانقلاب مع مؤيديها أو غير المناهضين لها وبالتالي لا تسمع إلّا صدى صوتها، مثل الشاعر الجاهلي الذي يخاطب خليليه وهو واقفٌ على الأطلال بمفرده ولا يوجد بجواره غير بعيره وظلِّه .. وفي هذا الصدد نعتقد أن مبعوث الاتحاد الإفريقي، بروف محمد ولد لباد، قد أصاب حين أشار في جلسة اليوم إلى أنه لا يتصور حَلّاً سياسياً بالحضور الحالي.

مع ذلك نعيد تأكيد موقفنا المعلن بالتعاطي الإيجابي مع الآلية الثلاثية، كما نؤكد استعدادنا للتواصل والتعاون معها، ومع داعميها من المجتمع الدولي والاقليمي، بما يضمن أن تفضي العملية السياسية لإنهاء الانقلاب وتجاوز حالة الانسداد الحالية بالتوافق على سلطة مدنية كاملة تباشر تنفيذ برنامج متفق عليه يمضي نحو تحقيق مطالب السودانيين في الحرية والسلام والعدالة والاستقرار والإصلاح المؤسسي والرفاه الاقتصادي، وصولاً لانتخابات عامة تضع الوطن على درب التداول السلمي للسلطة بإرادة الناخبين.

التعليقات