تكشف الوثيقة المسربة، التي وجهتها الحكومة السودانية إلى الأمم المتحدة في مارس الماضي تحت عنوان (خارطة الطريق الحكومية) ، عن مخطط يثير شكوكاً جدية حول نوايا سلطة الأمر الواقع في بورتسودان في إدارة الأزمة السودانية الراهنة. يشير الواقع إلى أنه بدلًا من السعي نحو حل شامل ينهي الحرب التي مزقت البلاد، يبدو أن الخطة تهدف إلى إعادة إنتاج الأزمة بشكل مختلف تحت ستار (مبادرة السلام) . هذه المبادرة، التي تبدو في ظاهرها دعوة للمصالحة وتحقيق السلام، والتي أعتبرها البعض بأنها تتسم بالمرونة والمعقولية ، إلا انها في حقيقة الأمر تخفي في طياتها أجندة تهدف إلى ترسيخ هيمنة النخبة الحاكمة في بورتسودان، وتكريس الإنقسامات التي تهدد وحدة البلاد، وتحويل ولايات دارفور إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدامية .
من جهة أخرى تكشف الوثيقة المسربة عن خطة لإدارة الصراع بدلًا من إنهائه، مما يعزز تمزيق النسيج الوطني للبلاد. تعتمد خارطة الطريق الحكومية على إستراتيجية تقسيم خفي، حيث يتم فصل مصير دارفور عن بقية الأراضي السودانية. ففي حين تتركز مشاريع إعادة الإعمار والتنمية – حسب الخطة – في مناطق محددة ، تُترك دارفور تعاني تحت وطأة الصراعات المسلحة.
والمثير للقلق أن الوثيقة تشترط لوقف إطلاق النار إنسحاب قوات الدعم السريع من كافة مناطق تواجدها، بينما تمنحها تصريحاً ضمنياً بالتجمع في ولايات دارفور (التي تقبل بوجودها)، وكأنها تُخصص دارفور كمسرح (مسموح) فيه بالحرب! ولا تتعامل خارطة الطريق مع أهالي دارفور كمواطنين لهم حقوق، بل كأرقام في معادلة جيوسياسية. فبينما تُخطط لإستعادة الحياة ودولاب العمل وصيانة البنى التحتية والخدماتية في المناطق المتأثرة بالحرب، تُؤجل أي حلول جذرية في دارفور إلى مفاوضات مع الجهة الراعية بعد تسعة أشهر. هذا التأجيل ليس سوى ستار لديمومة الحرب، التي تسهل للسلطة التحكم في الموارد وترحيل الأزمات.
والأخطر هو الصمت الدولي حول هذه الخطة، بل ومحاولة تغطية الخطة بإعتبارها (مبادرة سلام) مقدمة للأمم المتحدة، مما يمنحها شرعية زائفة لتمييز غير مقبول يكرس معاناة ملايين المدنيين.
بإختصار ، تقدم الوثيقة المسربة رؤية مشوهة للوطن، تجزئه إلى مناطق نفوذ، وتُعلي مصالح فئة فوق أخرى.
إن التاريخ يثبت أن السلام الحقيقي لا يُبنى بإقصاء جزء من الشعب، بل بإشراك المكونات الوطنية الديمقراطية في عملية سياسية شاملة، كما أن تجاهل وحدة السودان الثقافية والجغرافية لن يُنتج سوى كيانات هشة، قابلة للإنفجار عند أول أزمة.
إن ما تروج له سلطة بورتسودان ليس سلاماً، بل إدارة خبيثة للأزمات على ذات نهج النظام الإسلاموي الساقط بإرادة الشعب السوداني في إنتفاضة ديسمبر الثورية المجيدة.
لابد من الإنتباه الي أن أي تسوية لا تحقق السلام في كل ربوع السودان، وتعترف بالعدالة الإجتماعية والجغرافية وتوزع الموارد بشكل عادل ستكون مجرد هدنة مؤقتة، تُخفي تحتها بركاناً من الغضب الشعبي.
السودان بحاجة إلى حوار وطني شامل، يعترف بجروح الماضي ويبني مستقبلاً لا يُكرس أي إمتيازات خاصة لأي مجموعة سياسية أو إجتماعية أو مناطقية على حساب المصالح المشتركة لأبناء السودان الواحد، الذين يتطلعون لبناء سودان ينعم بالسلام والتقدم
المقالات
محمد ضياء الدين يكتب : مخاطر ما يسمى بخارطة الطريق الحكومية على مستقبل السودان

التعليقات