الاستثمار لا ينجح بمنطق التحدي أو الاستفزاز، فمع أن الآلاف من أبناء السودان لا يرفضون الاستثمار من حيث المبدأ، بل يدعمون استغلال الأرض والموارد التي ظلت مجمدة لقرون، إلا أن جوهر الخلاف لا يكمن في الفكرة نفسها، وإنما في الكيفية والشفافية

خلال جولة رجل الأعمال أشرف سيد أحمد الكاردينال في مدينة كسلا لعرض ما عُرف بمبادرة السلم المجتمعي بشرق السودان، طرح عليه سؤال مباشر حول ارتباط المبادرة بمصالحه الاستثمارية في الشرق، وتحديدا بمنطقة عقيق، وجاء رده بأن هذه المصالح قد حصل عليها بالفعل من الدولة، وأن أصحاب المنطقة لا يملكون حق الاعتراض، وهو حديث مستفز جدا.

السؤال المشروع الذي لم تتم الإجابة عليه حتى الآن: لماذا لم يوضح السيد الكاردينال طبيعة الاستثمار الذي يسعى إليه؟ مع أي جهة وقع الاتفاق؟ من مثل المجتمعات المحلية؟ ما مدة الاستثمار؟ وما الفوائد المباشرة التي ستعود على أهل المنطقة من حيث فرص العمل، والخدمات، والتنمية؟، وفي تقديري، هذه هي نقاط الخلاف الجوهرية، ليس مع الكاردينال وحده، بل مع أي مستثمر، وطنيا كان أو أجنبيا.

تاريخيا، وبالرغم من معرفة الكاردينال التامة باحتياجات شرق السودان، وباعتباره رجل أعمال يمتلك الإمكانات، إلا أنه لم يسهم حتى الآن في إنشاء فصل دراسي واحد أو مرفق صحي بمحلية عقيق، وهي واحدة من أكثر محليات الشرق تضررا وتهميشا.

كما يعلم الكاردينال، وتعلمه التجربة، أن الحكومة السودانية لا تملك مترا واحدا خاليا من الموانع الاجتماعية والتاريخية، ولهذا تفشل معظم الاستثمارات، إذ تأخذ الحكومة نصيبها من الجبايات والرسوم والضرائب، ثم تهمل حقوق المجتمعات المحلية، وتترك المستثمر يواجه مصيره منفردا، وطنيا كان أو أجنبيا، إلى أن تتوقف المشاريع، وتتكرر الدائرة ذاتها.

قضية عقيق ليست جديدة. وعندما أُثيرت منتصف العام الماضي في شكل تسريبات، أشرنا بوضوح إلى أن الكاردينال اختار الأشخاص الخطأ، والوقت الخطأ، والمدخل الخطأ، من خلال دعمه لبعض السماسرة وأصحاب المبادرات الهلامية، ظنا منه أن هذه المجموعات قادرة على تمهيد الطريق له في شرق السودان، والحقيقة أن هذه المجموعات لا تملك منزلا خاصا بها، ناهيك عن امتلاك أو توفير أراضٍ ومساحات على ساحل البحر الأحمر.

نقول للكاردينال بوضوح: ابدأ بشكل صحيح، وادخل البيوت من أبوابها، قدّم رؤية واضحة لدعم وتنمية المجتمعات المحلية الواقعة داخل نطاق أي مشروع تنوي تنفيذه، وعندها سيدافع عنك أصحاب المصلحة الحقيقية، لا أصحاب المصالح الضيقة، ولا شلل الفنادق والكافيهات.

لسنا هنا بصدد عقد مقارنات، ولكن لا بأس من التوقف عند تجربة رجل الأعمال وجدي ميرغني في جنوب القضارف، حيث استفادت المجتمعات المحلية من الشركة الأفريقية حتى أصبحت شريكا حقيقيا فيها، وتعاملت معها كأنها شركة تابعة لها، والسبب واضح: خدمات صحية، طرق، دعم للتعليم، وفرص عمل حقيقية.

الاستثمار الناجح لا يقوم على القوة أو النفوذ، بل على الشراكة والوضوح واحترام الإنسان والأرض.

التعليقات