أعاد زلزال حرب الخامس عشر من أبريل في السودان طرح أسئلة أساسية تتعلق بحاضر ومستقبل الحركة النقابية، ودورها في المجتمع، وعلاقتها بالدولة والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني. كما أعاد فتح النقاش حول مدى إسهامها في وقف الحرب، ودورها في قضايا اليوم التالي ومستقبل السودان في تبني الخيارات الاقتصادية والسياسات الاجتماعية التي تفرضها المعطيات الجديدة عالمياً ومحلياً. وتبرز أسئلة لا تقل أهمية حول قدرة الحركة النقابية على إعادة بناء هياكلها التنظيمية على أسس ديمقراطية، وتفعيل أدوات عملها بما يخدم القطاعات المهنية والعمالية المختلفة، وحول إمكانية تجاوز خلافاتها العميقة والمتراكمة. كما يطرح الواقع الراهن في الساحة السياسية ومواقع العمل تساؤلاً حاسماً: هل ما يجري اليوم يمثل بداية أفول الحركة النقابية، أم أنه فرصة تاريخية لاستعادة دورها في توحيد الإرادة الوطنية؟ وإلى جانب ذلك، يواجه العمل النقابي تحديات نوعية جديدة تتعلق بقدرته على التطور كماً ونوعاً، على مستوى القاعدة والقيادة، والصمود أمام التحولات المتسارعة، بما في ذلك تأثيرات الحرب على سوق العمل والعلاقات المهنية. ولن يكون ذلك ممكناً إلا بتوحيد الحركة النقابية نفسها أولاً، ووضع حد لحالة التشرذم، وإعادة تموضعها كرافعة أساسية للتغيير المنشود وبناء سودان ما بعد الحرب
معلوم بالضرورة أن الظاهرة النقابية تُعد ركيزة أساسية في بنية المجتمع المدني والدولة الحديثة، حيث تطورت كآلية مؤسسية تهدف إلى حماية حقوق العاملين وتحقيق توازن القوى أمام أرباب العمل في القطاعين العام والخاص. وبشكل عام، يمكن تعريف النقابة بأنها تنظيم اقتصادي واجتماعي طوعي يجمع شتات المشتغلين بمهنة أو حرفة واحدة لتعزيز مصالحهم المشتركة.
السياق التاريخي:
بدأ تكوين النقابات في السودان كحركة منظمة ذات مطالب، مع إضراب عمال المناشير بالنيل الأزرق عام 1907، تلاه إضراب موظفي بورتسودان وكوستي وعطبرة، ورفع مذكرة حول الأوضاع المعيشية. وفي عام 1947 تم تشكيل هيئة شؤون العمال كأول تنظيم نقابي، ثم تكوّنت بعد ذلك عدة نقابات أسهمت في قيام اتحاد عمال السودان عام 1950، الذي اضطرت السلطات الاستعمارية إلى التفاوض معه بشأن القضايا العمالية. وقد لعبت النقابات دوراً مهماً في مقاومة الاستعمار ومعركة الاستقلال.
وفي أول حكومة وطنية، تمحورت مطالب النقابات حول رفع الحد الأدنى للأجور، وخفض ساعات العمل، والأجر الإضافي، والإجازات، وإدخال تعديلات على قانون النقابات. ودخلت النقابات في مواجهة مع انقلاب عبود، الذي أقدم على حل اتحاد العمال، مما اضطر النظام لاحقاً إلى إصدار قانون النقابات لعام 1960، والذي سمح بتكوين نقابات العمال دون بقية المهنيين، ومنع قيام اتحاد للنقابات. وساهمت النقابات بقوة في إسقاط نظام عبود عبر جبهة الهيئات، وأصبحت جزءاً من الحكومة ممثلة في وزيرين، واستطاعت إلغاء قانون النقابات والعودة إلى قانون 1956، وانتظمت من جديد في تكوين النقابات والاتحاد. غير أنها دخلت في صراع محموم مع الحكومة الديمقراطية، وهو ما مهّد الطريق لانقلاب مايو 1969.
وخلال تلك المرحلة دعمت النقابات نظام نميري، وصدر قانون النقابات لعام 1970، قبل أن يتراجع النظام عنه بعد عام واحد، ويقوم بحل النقابات واعتقال قياداتها، ثم إصدار قانون النقابات لعام 1973 الذي ألحق النقابات بالاتحاد الاشتراكي. وفي عام 1977 عُدّل القانون بما سمح بالعمل النقابي بقيود، الأمر الذي أتاح تكوين التجمع النقابي، الذي أسهم بدوره في إنجاح انتفاضة أبريل 1985. وفي الديمقراطية الثالثة استعادت النقابات هويتها واستقلالها، وتوسعت في نشاطها، وأعادت دورها الوظيفي والمطلبي، وشهدت حراكاً واسعاً، وعادت من جديد إلى الإضرابات والمظاهرات، وكان من أبرزها مظاهرة السكر عام 1988، التي أسهمت في تقويض الحكم الديمقراطي وفتحت الباب أمام انقلاب الإنقاذ عام 1989.
مثّل انقلاب الإنقاذ نقطة انقطاع جذري في مسار العمل النقابي، حيث انتقلت السلطة من المواجهة السياسية إلى التفكيك الهيكلي عبر قانون نقابات 1991. لقد أجهز هذا القانون على التقاليد الديمقراطية المتوارثة بابتداعه نمط “نقابة المنشأة”، الذي صهر العمال والمهنيين والفنيين في قالب واحد قسري، مما أدى إلى تمييع مفهوم المصالح المشتركة وتغييب التخصص المهني. وتزامن هذا التحول مع سياسات الخصخصة وتراجع دور القطاع العام، مما أدى إلى تجريف القواعد النقابية وإضعاف اتحادات العمال والمزارعين وتشرذم المهنيين، وخلق قطيعة مع معايير منظمة العمل الدولية التي تشترط الاختيارية لا الفرض القانوني التعسفي لتشكيل النقابات.
واجهت الحركة النقابية خلال حكم الإنقاذ استراتيجية ممنهجة للتدجين، بدأت بتصفية الكوادر التاريخية، ومرت بفرض قانون عام 2010 الذي صُمم كأداة للتحكم الأمني والسياسي بعيداً عن التمثيل القاعدي الحقيقي. هذا الانسداد في الأفق الديمقراطي داخل الاتحادات الرسمية الموالية للسلطة أدى حتماً إلى نشوء النقابات الموازية التي شكّلت النواة الصلبة لتجمع المهنيين السودانيين، فاستعادت هذه الأجسام دورها التاريخي كـ”رأس حربة” في قيادة الحراك الثوري حتى سقوط النظام في أبريل 2019، لتجد نفسها أمام تحدي التحول من منصات مقاومة إلى مؤسسات بناء قانوني.
خلال فترة الحكومة الانتقالية الأخيرة واجهت الحركة النقابية مأزقاً في تعريف الهوية التنظيمية، حيث برز تجمع المهنيين كتحالف سياسي يفتقر إلى التقاليد الديمقراطية القائمة على الانتخاب الحر من القواعد إلى القمة، وهو ما يفسر هشاشته أمام الانقسامات التي ضربته عقب ثورة ديسمبر، في ظل غياب التوافق على قانون نقابي ديمقراطي، والتخلص من إرث نقابات المنشأة، وتآكل القوة التاريخية للنقابات نتيجة التصفية الممنهجة للقطاع العام، والتطلع إلى تكوين نقابات مستقلة. وبرغم الزخم الثوري ومشاركة النقابات في الحكومة الانتقالية، ظل واقع النقابات يتسم بالتعثر نتيجة الصراع حول المرجعية القانونية الجديدة؛ فبين تيار ينادي بالإلغاء الكلي لقانون المنشأة والعودة لجذور العمل الفئوي، وتيار يميل لتعديله وتطويره بما يتماشى مع المستجدات، برز قانون 2020 كمحاولة للتوفيق بين هذه الرؤى، حيث أُجيز في مجلس الوزراء، إلا أنه لم يُعرض على المجلسين (السيادي والوزاري) بوصفهما سلطة تشريعية، ولم يتحول إلى قانون نافذ، وذلك بسبب الخلافات التي نشبت حوله.
عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، أُعيدت النقابات والاتحادات المرتبطة بالعهد البائد، ما فجّر صراعاً وجودياً حول الشرعية، فقد اعتبرت القوى الثورية هذه الخطوة انتكاسة خطيرة لمكتسبات ثورة ديسمبر وصادمة لمسار التحول الديمقراطي، في حين استقبلها منسوبو نقابات النظام البائد بوصفها انتصاراً وفرصة لاستعادة مواقعهم التنظيمية. وأفضى هذا التباين الحاد إلى حالة استقطاب عميق عكست حجم الانقسام داخل البنية السودانية، وزادت من تعقيد مسار التحول النقابي، خاصة في ظل غياب توافق وطني على إطار تشريعي حاكم.
جاءت إعادة نقابات العهد البائد كخطوة سياسية استهدفت إعادة تمكين عناصر النظام السابق واستخدامهم كأوراق ضغط في عملية التفاوض مع القوى المدنية، رغم الإدراك المسبق بأن هذا النهج من شأنه تعميق عزلة السودان إقليمياً ودولياً. ويعود هذا المشهد المضطرب إلى سلسلة من التحولات التي بدأت بقرار لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو عام 2019 بحل تلك الاتحادات وحجز أصولها وتشكيل لجان تسييرية كبديل مؤقت، وهي الإجراءات التي قُوِّضت بانقلاب 25 أكتوبر 2021 عبر تجميد عمل اللجنة وحل اللجان التسييرية، الأمر الذي مهّد لاستعادة اتحادات الانقاذ لمواقعها، وأدى إلى إرباك المشهد النقابي والدستوري وتعطيل مسار التحول الديمقراطي برمته.
واقع الحركة النقابية في ظل الحرب:
خلّفت الحرب الدائرة تدميراً طال بنيات الإنتاج والخدمات، وانعكس بآثار كارثية على القوى العاملة التي واجهت القتل والنزوح وفقدان سبل العيش في القطاعين العام والخاص. وفي ظل هذا الواقع المرير، لم تتوقف المحاولات السلطوية لتدجين الحركة النقابية وإعادة استنساخ واجهات النظام المباد. ومع ذلك، تعاني الأجسام النقابية والمهنية الحالية من غياب إطار تنسيقي جامع، مما أضعف دورها كركيزة أساسية في بناء الجبهة المدنية المنشودة لاستعادة المسار الديمقراطي وإيقاف الحرب.
بالمقابل، استغلت حكومة الأمر الواقع في بورتسودان ظروف الحرب لإعادة هندسة المشهد النقابي عبر مسجل تنظيمات العمل، الذي أصدر القرارات أرقام 7 و8 و9 للعام 2025 الخاصة بإعادة اتحاد أصحاب العمل والاتحادات المهنية واتحادات العمال والنقابات، لتمكين واجهات النظام البائد في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية. وقد تزامن هذا التغول مع تخلي الدولة عن التزاماتها المالية تجاه ملايين العاملين المشردين بلا رواتب، ما وضع النقابات ولجان التسيير وتجمعات المهنيين الثورية أمام معركة وجودية بدأت بمسارات قانونية وسياسية ودبلوماسية وإعلامية مشتركة لمقاومة هذه القرارات التعسفية.
تتوزع الحركة النقابية في الوقت الراهن بين ثلاثة تكتلات رئيسية، تفتقر فيما بينها إلى معايير واضحة لتحديد الأوزان التنظيمية أو آليات فعّالة للتنسيق المشترك. يتمثل التكتل الأول في الجبهة النقابية، التي تضم نقابات مهنية وأكاديمية، ويعمل بعضها خارج أطر التحالفات السياسية القائمة. أما التكتل الثاني فهو تنسيقية المهنيين والنقابات، التي تجمع تحالفات مهنية ذات خلفية ثورية، وتشكل جزءاً عضوياً من التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”. في حين يتمثل التكتل الثالث في تجمع تصحيح مسار النقابات العمالية، الذي يضم مجموعات عمالية تسعى إلى استعادة دورها التاريخي، إلى جانب وجود كيانات أخرى تؤكد ابتعادها عن التحالفات القائمة، في وقت بدأت فيه نقابات النظام البائد تنشط من جديد.
تعيش الحركة النقابية تداعيات الانقسامات التي أعقبت ثورة ديسمبر، لا سيما الخلافات المرتبطة بقانون النقابات وجدلية الوحدة مقابل التعدد. وقد أفضى هذا التشرذم إلى انزلاق بعض الأجسام نحو أداء أدوار سياسية مباشرة تحولت معها إلى واجهات تنافس الأحزاب في الفعل اليومي، على حساب وظائفها المهنية والمطلبية الأساسية، الأمر الذي عمّق أزمة الدور وأضعف الفاعلية النقابية في مواجهة التحديات الراهنة. واستناداً إلى معطيات هذا الواقع، تقف الحركة النقابية عند تقاطع مأزوم بين أزمة الشرعية والتمثيل في سياق حرب مدمرة، وواقع مختل تحكمه قرارات التجميد. وقد أفضى هذا الخلل إلى إضعاف التمثيل العضوي الحقيقي، لا سيما في القطاعات العمالية التقليدية التي تعاني من غياب التغطية النقابية الشاملة وتفكك القواعد بفعل الحرب والنزوح، ما جعل الاعتراف الرسمي والتمثيل الديمقراطي في حالة صراع مستمر مع إجراءات مسجل تنظيمات العمل والتدخلات الأمنية. وفي موازاة ذلك، تواجه النقابات تراجعاً حاداً في الفاعلية والقدرة على التأثير والتفاوض الجماعي، إذ إن العجز عن انتزاع حقوق العاملين وضمان استقرار أجورهم في ظل الحرب يكشف فجوة عميقة بين المطالب النقابية وإمكانات الدولة، ما أدى إلى انتقال الأولويات من العمل المطلبي إلى استراتيجيات البقاء.
ورغم حالة التشرذم، لم تتوقف جهود العمل المشترك، إذ توحدت الإرادة في مناهضة قرارات مسجل تنظيمات العمل بسلطة الأمر الواقع في بورتسودان عبر رفع الطعون ضدها. كما تجلى هذا التوافق في مؤتمر “آثار الحرب ورؤى الكيانات النقابية والمهنية والمدنية لإعادة البناء والإعمار”، الذي نظمته اللجنة العليا لتأبين الأستاذ محجوب محمد صالح بالقاهرة يومي 18 و19 مايو 2025، حيث خلص المؤتمر إلى أن النقابات المهنية والعمالية تمثل ركيزة أساسية في مواجهة آثار الحرب والمشاركة الفاعلة في جهود إعادة البناء والإعمار، باعتبارها أطرًا تنظيمية ذات خبرات متراكمة. كما أكد أن دور النقابات لا يقتصر على المطالب الفئوية، بل يتعداها إلى الإسهام في صياغة رؤى وطنية واقعية لإعادة تأهيل مؤسسات الدولة وسوق العمل، ودمج مبادئ العدالة الاجتماعية والانتقالية في سياسات الإعمار، فضلاً عن دورها الرقابي في تعزيز الشفافية والمساءلة ومنع إعادة إنتاج أسباب النزاع، بما يسهم في تعبئة الطاقات الوطنية وبناء سلام مستدام قائم على التنمية المتوازنة والكرامة الإنسانية. وفي السياق ذاته، شكّلت ورشة “الحركة النقابية السودانية الماضي، الحاضر والمستقبل”، التي نظمتها اللجنة القومية لتكريم المهندس المستشار عوض الكريم محمد أحمد في نوفمبر 2025، خطوة إضافية في هذا الاتجاه.
النقابة للجميع ولكل حزبه:
مما لا شك فيه أن الحركة النقابية السودانية تُعد قوة مهمة في مسيرة التحول الديمقراطي، حيث تجاوزت وظيفتها المطلبية لتصبح فاعلاً سياسياً ساهم في مواجهة الاستعمار وقيادة جبهات التغيير في ثورات 1964 و1985 و2018. ومع ذلك، ظل هذا الدور محاصراً بإشكالية بنيوية تتمثل في التباس الحدود بين طبيعة عمل النقابة ككيان وطني، وبين التسييس الحزبي الذي حوّلها إلى ساحة استقطاب أيديولوجي. وقد تجلى هذا التداخل بوضوح في حقبة الديمقراطية الثالثة، حينما استُنزفت الدولة بسلسلة من الإضرابات التي، برغم مشروعيتها، وفّرت غطاءً سياسياً ومناخاً مضطرباً استغلته القوى الشمولية للانقضاض على النظام الديمقراطي.
ورغم اتسام الدولة بالهشاشة التاريخية، فإن النقابات أظهرت حيوية مكّنتها من الحفاظ على تموضعها في مواجهة النظم الشمولية، وقد تبلور ذلك عبر بناء التحالفات التي صاغتها مع القوى السياسية (جبهة الهيئات، التجمع النقابي، تجمع المهنيين)، ما منح الحراك الشعبي هيكلاً تنظيمياً. غير أن هذه العلاقة، على أهميتها في سياق مجتمعي معقد، وضعت استقلالية النقابات على المحك، تستدعي مراجعة نقدية لفك الارتباط بين الأجندة النقابية والتوظيف الحزبي لضمان استقرار الدولة الوطنية.
ظلت العلاقة بين العمل النقابي والعمل السياسي تمثل إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في مسار النقابات، غير أن هذه الجدلية، لا تتعلق بتناقض بين مجالين منفصلين، بقدر ما تعكس أزمة في تعريف الوظيفة والموقف، وفي بناء الشرعية التمثيلية والتجانس الداخلي للنقابات والأجسام المهنية. وفي هذا الإطار تكتسب مقولة الإمام الصادق المهدي “النقابة للجميع ولكل حزبه” أهمية تأسيسية، إذ تضع حداً فاصلاً بين الاستقلال التنظيمي للنقابة، وحق أعضائها الفردي في الانتماء السياسي. فالنقابة، وفق هذا الفهم، ليست حزباً سياسياً ولا بديلاً عنه، لكنها أيضاً ليست كياناً محايداً أو منزوع الموقف، لأن الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية لأعضائها، والاشتباك مع قضايا العدالة والحقوق، هو فعل سياسي بالضرورة، وإن لم يتخذ شكل التنافس الحزبي.
لقد انشغلت قطاعات من الفاعلين داخل النقابات بالسؤال: هل تتدخل النقابة في السياسة أم تقتصر على المطالب المهنية؟ بينما تكمن المسألة الحقيقية في مدى قدرة النقابة على بناء حد أدنى من التجانس الداخلي وامتلاك شرعية تمثيلية ديمقراطية تُمكّنها من تحديد موقفها من قضايا المجال العام بصورة تعكس إرادة قواعدها، لا توجهات حزبية ضيقة. فغياب هذا التجانس هو ما جعل كثيراً من التجارب تصطدم بإشكالية أولوية السياسي أو النقابي، وتتحول الخلافات الفكرية إلى انقسامات تنظيمية معطِّلة. ولا تُحسم هذه المعضلة بالانحياز لأحد التيارين، بل بتأسيس معادلة واضحة: نقابة مستقلة تنظيمياً، ديمقراطية داخلياً، متعددة سياسياً في عضويتها، وذات موقف عام نابع من تفويض قواعدها.
مستقبل الحركة النقابية:
يواجه العمل النقابي مرحلة مفصلية تتقاطع فيها تحولات سوق العمل العالمية مع تعقيدات الواقع الاقتصادي والسياسي الذي فرضته الحرب. فالتحول الرقمي، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وتراجع العضوية، خاصة في القطاع الخاص، كلها عوامل أضعفت الدور التقليدي للنقابات وفرضت ضرورة البحث عن مقاربات جديدة تضمن بقاءها وفاعليتها. ولم يعد ممكناً للنقابات أن تؤدي وظائفها التاريخية بالآليات القديمة، بل بات مطلوباً منها إعادة تعريف دورها بوصفها فاعلاً مدنياً حديثاً قادراً على حماية حقوق العمال والمساهمة في صياغة مستقبل العمل في بيئة شديدة التقلب.
تبرز ثلاثة سيناريوهات لمستقبل العمل النقابي في السودان. يتمثل الأول في مسار التجديد والابتكار عبر تحديث الهياكل التنظيمية، ودمج التكنولوجيا في أدوات التنظيم والتواصل، وبناء قدرات القيادات النقابية في مجالات التفاوض، مع التوسع نحو قطاعات جديدة. أما السيناريو الثاني فيقوم على الاندماج والتنسيق بين الكيانات النقابية المختلفة بما يحد من التشتت ويعزز القوة الجماعية، ويسهم في مواجهة الاستغلال وتحقيق قدر من الاستقرار الاجتماعي. في المقابل، يظل سيناريو التهميش والانحسار قائماً إذا استمر ضعف العضوية وتراجع التأثير، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية، ما يترك قطاعات واسعة دون حماية فعلية.
وتتحدد مآلات هذه السيناريوهات بجملة من التحديات البنيوية وتلك التي فرضتها الحرب، أبرزها التغيرات التكنولوجية التي يعززها الذكاء الاصطناعي، وما تفرضه من تحولات في طبيعة الوظائف وأنماط التشغيل، إلى جانب تنوع القوى العاملة وصعوبة تنظيم العاملين في الاقتصاد غير النظامي، خاصة بعد الدمار الذي أصاب البنية الزراعية والصناعية والقطاع العام. كما تشكل البيئة القانونية والسياسية عاملاً حاسماً، إذ تتطلب النقابات قانوناً متسقاً مع المعايير الدولية، وإرادة سياسية تعترف بدورها كشريك اجتماعي. ويضاف إلى ذلك ضعف الموارد المالية والحاجة إلى قيادات نقابية مؤهلة وقادرة على إدارة صراع المصالح في سياق معقد، ما يجعل الاستثمار في بناء القدرات شرطاً أساسياً لضمان دور نقابي فعال ومستدام.
إن استعادة الدور التاريخي للحركة النقابية تتطلب تجاوز حالة التشتت بين التحالفات المتعددة وبناء مظلة موحدة عابرة للاستقطاب السياسي، تستند إلى قواعد وآليات تنظيم ديمقراطية تقوم على انتخابات حرة وشفافة. كما أن استعادة فاعلية النقابات اليوم تتجاوز مجرد التنظيم المهني لتصبح ضرورة وجودية للدولة؛ فهي إحدى ضمانات التحول الديمقراطي، والمحرك الأساسي لزيادة الإنتاج وصياغة السياسات الاقتصادية الكفيلة بوقف التدهور المريع. ويتطلب ذلك تكاتف الجهود لتحويل هذه الأجسام من أدوات صراع إلى شركاء استقرار في عملية التحول الديمقراطي، وهو ما لن يتحقق إلا بإطلاق حوار نقابي مهني يهدف إلى توحيد الحركة النقابية في جسم تنسيقي واحد يحمي استقلاليتها ويصون وحدتها، مع تركيز الجهد النقابي على قضايا الخدمات والحقوق القانونية والمسؤولية الاجتماعية للعاملين، لا سيما في ظل ظروف الحرب، وترسيم علاقة تنسيقية لا تنافسية مع الأحزاب السياسية لضمان وحدة الهدف المدني وتمايز الوسائل، وضمان البناء الديمقراطي السليم للأجسام التسييرية والتمهيدية، والالتزام بالتنظيم المحكم داخل كل قطاع مهني بما يضمن شرعية التمثيل.
التعليقات