لا يمكن فهم تجربة الشباب السوداني بمعزل عن تراكم المظالم التاريخية التي بلغت ذروتها في مأساة الحرب الحالية. فهي تعبير عن معاناة جيل أُقحم قسراً في أتون حروب لم يكن طرفاً في صناعتها، لكنه تحوّل إلى وقودها. فمنذ اندلاع الحرب، وجد الشباب أنفسهم محاصرين بين متحاربين، يلتقيان ضمنياً عند دفعهم إلى خطوط النار بالاستنفار والتعبئة والمقاومة الشعبية، أو تركهم لمصير مفتوح على النزوح واللجوء، وضياع التعليم والعمل والأمان. وأمام هذا الواقع، انحصرت خياراتهم في ثلاثة مسارات مُرّة: القتال في حرب عبثية، أو الفرار من أهوالها، أو الصمود في واقع يفتك بالأحلام قبل الأجساد

تلخص حكاية الشباب السوداني زمن الحرب ملحمة إنسانية لجيل يرفض أن يُسحق حلمه تحت وقع الرصاص، أو أن يتحول الوطن إلى مجرد ذكرى تُحمل في حقائب النزوح. بين ماضٍ مثقل بالأزمات وحاضر يسعى إلى كسر إرادتهم، يقف هذا الجيل كجسر نحو مستقبلٍ لا يزال قيد الصياغة. ومع ذلك، لم يتحول إلى كتلة من اليأس أو ضحايا صامتين، وانما واصلوا الاضطلاع بدورهم في حماية المجتمع حين غابت الدولة، فأنشأوا غرف الطوارئ، وتكايا الطعام، وشبكات الإغاثة. وفي الوقت ذاته، عملوا على توحيد إرادتهم في رفض الحرب، ومقاومة تحويلهم إلى أدوات في صراع السلاح. فهذا الجيل، الذي أُريد له أن يكون وقوداً للدمار، يصر على أن يكون أساساً للسلام، وأن يعيد تعريف موقعه لا كمقاتل في حرب عبثية، بل كفاعل مدني يسعى إلى إيقافها وبناء وطن يليق به.

السياق التاريخي:
ولدت الحركة الشبابية السودانية من رحم المجتمع المدني، ولعبت أدواراً مؤثرة منذ فترة الاستعمار، حيث تأثرت بعاملين شكلا مسارها المبكر. أولها كان ارتباطها بالحركة الطلابية، التي نشأت مع توسع التعليم وقيام كلية غردون والمدرسة الحربية والمدارس الثانوية. ثانيها كان الانتماء لمفهوم الدولة الحديثة ومواجهة الاستعمار، حيث تأثرت بالحركة الشبابية المصرية، وهو ما رسخ البعد السياسي في نشاطها. واستمر تأثير هذين العاملين على مسيرة الحركة حتى بعد الاستقلال.

أسس الخريجون وصغار الموظفون في 1920 “جمعية الاتحاد السوداني”، التي هدفت إلى تحريك الضمير الوطني عبر النشاط الأدبي لمناهضة الاستعمار، وفي عام 1924 تكونت “جمعية اللواء الأبيض”، لتصبح أول تنظيم سياسي شبابي، وبعد تعرضها للقمع وتصفية أعضائها، شهدت الحركة الشبابية فترة من الهدوء النسبي، حين أنشأ طلاب كلية غردون “جمعية الثقافة والإصلاح”، التي شكلت الإطار العام لظهور الحركات الطلابية، وانضم إليها عدد كبير من طلاب المدارس العليا. في عام 1941 تحولت الجمعية إلى “اتحاد طلاب المدارس”. وقد شارك الشباب بفاعلية في نشاط الحركة الوطنية، خصوصاً عبر مؤتمر الخريجين، الذي كان بمثابة منبر للشباب رغم القيود التي فرضتها سلطات الاحتلال على العمل السياسي العلني، واقتصاره على النقاشات الأدبية والجمعيات الثقافية في العواصم والمدن الكبرى، باستثناء بعض الجمعيات مثل “أبوروف” و”الفجر” التي كان لها دوراً سياسياً.

ساهم الشباب في تأسيس الأحزاب السياسية، حيث استفادت الأحزاب الجماهيرية من طاقات شباب مؤتمر الخريجين، في حين تأثرت الأحزاب العقائدية بالحركة الشبابية المصرية، على صعيد الجنوب تأخرت الحركة الشبابية نسبياً نتيجة لبطء التنمية وغياب الاهتمام الاقتصادي من المستعمر، حتى تأسس أول تنظيم سياسي جنوبي في 1962 باسم “الاتحاد الوطني للحركة المقفولة”، الذي تغير اسمه لاحقاً عام 1963 إلى “الاتحاد الوطني للسودان الإفريقي SANU” بقيادة وليم دينق، وكان مؤسسه الشباب.

تجلت مساهمة الحركة الشبابية في انتفاضة أكتوبر 1964 وانتفاضة رجب/أبريل 1985، فضلاً عن استمرار نشاطهم في جمعيات الكشافة والمرشدات وبيوت الشباب ومراكز الشباب ومنظمة شباب الوطن، بما يعكس دورهم في دعم المطلب الديمقراطي، ومجابهة الكوارث، وتقديم الخدمات، وتعزيز قيم التطوع.

واصل الشباب التصدي لنظام الانقاذ، ودفعوا ثمناً باهظاً من سجن وتشريد وفقر، وكان لهم إسهاماً بارزاً في إفشال مشروعها. ومع ذلك، حاولت السلطة تغيير اهتمامات الشباب نحو الترفيه والرياضة والفنون للحد من وعيهم السياسي، وهو ما أدى إلى تباين كبير بين جيل الرواد وجيل الشباب المحبط، وجعل الأحزاب والمجتمع المدني أقل اعتماداً على الشباب في إحداث التغيير المنشود. ومع توقيع اتفاقية السلام، استعاد الشباب دورهم بالضغط لضمان تنفيذها، والمطالبة بالتحول الديمقراطي عبر مشاركتهم في انشطة المجتمع المدني، ومن ثم قيادة مواجهة شرسة مع نظام البشير الي إسقاطه.

تطورت الحركة الشبابية على امتداد مراحل تاريخية مختلفة، متأثرة بالسياق السياسي والاجتماعي لكل حقبة، ويمكن تصنيفها إلى أربعة أنواع رئيسية: أولها الجمعيات الشبابية الرسمية التي نشأت في ظل الأنظمة الشمولية، حيث كانت تعمل غالباً ضمن عباءة الدولة، ويقتصر دورها على الحشد والتعبئة لمساندة النظام، مع غلبة الطابع الدعائي والمظهري على نشاطها، بما يخدم تعزيز صورة النظام أكثر من خدمة المجتمع ذاته. من أبرز أمثلتها “طلائع مايو” و”الاتحاد الوطني للشباب السوداني”، التي اتخذت من الولاء للنظام معياراً رئيسياً لنشاطها، ولم تمنح الشباب مساحة للتعبير عن طموحاتهم أو التأثير في صنع القرار . ثانيها برزت في النظم الديمقراطية المنظمات الشبابية من رحم الأحزاب، لتكون جسراً بين الحزب والشباب والمجتمع، ومن أمثلتها “منظمة شباب الوطن” التى اسسها حزب الأمة، و”اتحاد الشباب السوداني” المعبر عن الحزب الشيوعي، وسارت الحركة الشعبية لتحرير السودان على ذات النهج حين أسست “اتحاد شباب السودان الجديد”، بهدف دمج الشباب في النشاط السياسي والمجتمعي. ثالثها المنظمات الشبابية الإقليمية والجهوية، التي تتجسد في الروابط والجمعيات المحلية والقبلية، وغالباً ما يغلب عليها الطابع الاجتماعي والمطلبي، فهي تعنى بشؤون الشباب في مناطق محددة، وتعمل على معالجة احتياجاتهم المحلية دون الانخراط بشكل مباشر في السياسة. رابعها المنظمات الشبابية المدنية المستقلة، التي تمثل صوت الشباب بعيداً عن القيود الرسمية والحزبية والمناطقية، وتركز على القضايا التنموية وحقوق الإنسان وبناء القدرات والمهارات، والتي مكّنت من رفع وعي الشباب، وعملت على ردم الفجوات التي خلقتها سنوات القمع.

الحراك الشبابي خلال الثورة والانتقال:
خرج الحراك الشبابي بصورة أوضح في هبّة سبتمبر 2013، حيث تكوّنت حينها حركات مثل (قرفنا، شرارة، التغيير الآن، مرقنا، وغيرها) مستفيدة من الحركة الطلابية، والتي تعرّضت لقمعٍ وحشي أودى بحياة المئات، واعتقالات واسعة طالت المئات في العاصمة والولايات. كانت صرخة سبتمبر ميلاد ثورة رفضت الحكم الشمولي، معلنةً ولادة جيل لا يرضى بالتبعية ولا الخنوع. ومن تلك اللحظة انطلقت رحلة “جيل المتاريس”، الذي ترعرع في زنازين الصمت، وتعلّم التقنيات الرقمية، وصاغ أحلامه في شوارع المدن، ليواجه العنف والتوحش بإرادة اسطورية وصدور عارية.

شكّلت هذه الحركات النواة الأولى لثقافة المقاومة الشعبية، إذ كسرت حاجز الخوف ومهّدت الطريق لظهور “لجان المقاومة” والتي قادت الحراك في الشوارع بتنظيم أفقي وشعارات قوية، مقدّمةً تضحيات عظيمة أعادت للثورة ألقها وألهمت مسارها. ومع سقوط النظام في عام 2019، اصطدم هذا الحراك الثوري بعقبات “سوق السياسة” والفجوة الجيلية، حيث سعت بعض النخب إلى تحويل الثورة إلى محاصصات سلطوية، في حين كان مطلب شباب الثورة تغييراً كاملاً يعيد تعريف الدولة والمواطنة.

رفض لجان المقاومة الانخراط في عمل مشترك مع الأحزاب والمهنيين والمجتمع المدني، واستمرار الاحتجاجات، إلى جانب قلة الخبرة التنظيمية في إدارة لجان الخدمات، والاستقطابات الداخلية، والشطط في المطالب، والرغبة في إنجاز سريع للحكومة في ظل تعقيدات الوضع وتَرِكة النظام المباد، أضعف تأثيرها خلال الفترة الانتقالية. هذا التراجع، إلى جانب انقسامات اللجان، أدى إلى إخفاء صوت الشباب في صنع القرار، وأضعف قدرتهم على تحويل مكاسب الثورة إلى برامج عملية، مما فتح المجال للقوى العسكرية لتعزيز نفوذها، وتقويض الانتقال بانقلاب 25 أكتوبر 2021، مما يؤكد أن الثورة تحتاج إلى جانب الروح الثورية، إلى الرؤية والخبرة التنظيمية لتحقيق أهدافها.

الوعي والفعل الشبابي في ظل الحرب:
منذ اليوم الأول لاندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، وجد الشباب أنفسهم في مواجهة محرقة شاملة للحقوق وتجريفٍ ممنهجٍ للمستقبل. فقد استهدفت الحرب الشباب على نحوٍ خاص، وحصدت أرواح الآلاف منهم في جبهات القتال، بينما أُجبرت الشابات على تحمّل أعباء مضاعفة من القتل والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك مخاطر الاغتصاب والتعذيب. وفي المقابل، حوصر الشباب بين شبح التجنيد القسري من قبل أطراف الصراع، في بيئة قضت على الحريات المدنية، وعمّقت القيود القمعية، وعطّلت فرص التعليم. وترافقت هذه الأوضاع مع تصاعد الصدمات النفسية، في حين يرزح الشباب الأكثر هشاشة تحت عزلة مزدوجة، سواء في المدن المنكوبة أو في المنافي.

وإلى جانب ذلك، تعرّضوا لانتهاكات خارج إطار القانون، نتيجة للاستقطابات التي مارستها الأطراف المتحاربة داخل مناطق نفوذها. وقد هيمن الطابع العسكري على تفاصيل الحياة، وامتد النزاع ليغزو الفضاء المدني، فارضاً قيوداً خانقة على العمل الشبابي، ومولِّداً بيئة طاردة. كما مثل هاجس التصنيف والاشتباه كخطرٍ دائم، بجانب الاعتقال والمحاكمات التعسفية لمجرد التعبير عن الرأي.

أحدثت الحرب تحولاً جذرياً في واقع الشباب، متجاوزة التحديات التقليدية مثل البطالة والتعليم والزواج، لتضعهم أمام أزمات وجودية غير مسبوقة، وقد أُزيحت أحلام الاستقرار المهني والاجتماعي لتحل محلها هواجس الهوية والشتات، ومقاومة تفكك النسيج المجتمعي. وبهذه الأجندة الجديدة التي فرضتها الحرب، تحولت أولويات الشباب من السعي نحو تحسين شروط الحياة إلى قيادة جهود لإنقاذ الحياة ذاتها.

وبالرغم من ذلك؛ لم ينكسروا وأعادوا تشكيل أدوات نضالهم؛ فقد تبلورت في الداخل غرف الطوارئ، فيما عملت المبادرات الشبابية في الخارج على تنسيق الجهود وتوحيدها، لتقديم بديل عملي في مواجهة دولة منهارة، عبر دعم المتضررين وصياغة رؤى وخطط استراتيجية لبناء السلام وترسيخ قيم المواطنة. وبذلك تحوّل الشتات إلى منصة للتأثير وحشد الدعم، في الوقت الذي راكم فيه الداخل الخبرة الميدانية والاحتكاك المباشر مع واقع الأزمة، ليشكّل هذا التلاقي نموذجاً للتكامل بين الداخل والخارج في العمل الشبابي.

الشبكة الشبابية وغرف الطوارئ.. تكامل الادوار في زمن الحرب:
في قلب مناطق النزاع وتحت وابل الرصاص، برز نموذج غرف الطوارئ والتكايا كأحد أشكال العمل الشبابي مقاومةً وابتكاراً، بوصفه استجابة مباشرة لانهيار الدولة وغياب مؤسساتها. قاد الشباب هذا النموذج بأهداف واضحة تتمثل في حماية الأرواح، وتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء، وصون الكرامة الإنسانية، عبر إغاثة المتضررين، وتوفير الغذاء والدواء، وتنظيم الإجلاء الآمن، ودعم الفئات الأكثر هشاشة. وانطلقت أولوياته من الاستجابة الإنسانية، مروراً بتعزيز التضامن المجتمعي ومنع تفكك النسيج الاجتماعي، وصولاً إلى ترسيخ قيم العمل الجماعي والسلمي. وتمثلت وسائله في التنظيم المرن، والتطوع المجتمعي، وإدارة الموارد المحلية، وبناء شبكات ثقة داخل الأحياء، ما يؤكد قدرة الشباب على ابتكار بدائل في أكثر السياقات قسوة، وتحويل الفعل الإنساني إلى موقف أخلاقي في وجه الحرب.

في الوقت ذاته؛ برزت الشبكة الشبابية السودانية في الخارج والتي تضم شابات وشباباً من خلفيات ومناطق متنوعة، تجمعهم غاية مشتركة تتمثل في وقف الحرب وبناء تحول مدني ديمقراطي. وإنطلقت من قناعة بأن تهميش دور الشباب في صناعة القرار أسهم في إطالة أمد الأزمات، وأن تمكينهم من لعب دور أكثر تأثيراً يُعد مدخلاً ضرورياً لإنهاء الحرب وتحقيق السلام. وتسعى إلى ممارسة الضغط المنظم على جميع الأطراف، لا سيما القوى المدنية، لحملها على توحيد رؤيتها السياسية. وإعتمدت في عملها على تشبيك الشباب وتوحيد رؤيتهم، وصناعة رأي عام داعم لأجندة الشباب، والتنسيق مع المنابر الخارجية، والضغط على اطراف الحرب، إلى جانب رصد وتوثيق الانتهاكات وكشفها وادانتها.

يُعد تكامل العمل بين الداخل والخارج حجر الزاوية لتطوير قدرة المبادرات على الصمود والاستدامة، حيث يمكن للداخل تقديم الخبرة الميدانية المباشرة، وللخارج تعزيز الصوت السياسي والتمويل والتنسيق الإقليمي والدولي، بما يخلق استراتيجية موحدة لتحويل الطاقة الشبابية من مواجهة التحديات اليومية إلى قوة ضغط لإنهاء الحرب وبناء الدولة.

مستقبل العمل الشبابي في سياق الحرب والسلام:
أهم محددات مستقبل العمل الشبابي، تتمثل في القدرة على الصمود بعيداً عن الاستقطاب، وفي مدى النجاح في تحويل شرعية الفعل إلى شرعية تمثيلية تعترف بها كل الأطراف، الي جانب قدرة الشباب على صياغة خطاب يجمع بين قوة المطالب وواقعية الأدوات. كما ان المستقبل يتطلب؛ نقد التجارب السابقة، وتطوير الرؤى الي استراتيجية تستوعب التحولات التي فرضتها الحرب، وتخاطب المتغيرات الإقليمية والدولية؛ تقوم على الاستدراكات التالية:

  1. تحرير مفاهيم العمل الشبابي؛ فقد ميّز الإمام الصادق المهدي بين “الشباب” كمرحلة عمرية يمر بها الإنسان، بينما تمثل “الشبابية” قيمة معنوية تتجلى في الحماس والفاعلية، وقد تتوفر في أعمار متعددة. أما “الشبابوية” فهي أيديولوجيا تقوم على فكرة أن الشباب وحدهم قادرون على حل مشاكلهم أو بناء مجتمعهم بمعزل عن باقي الفاعلين، وهو استغلال أيديولوجي للشباب يهمّش التكامل الضروري بين أدوارهم والأدوار الأخرى في المجتمع. تعكس هذه الرؤية أهمية فهم دور الشباب ليس فقط كفئة عمرية، بل كمحرك حضاري قادر على الإسهام في المستقبل مع الاخرين، مع حماية طاقاتهم من أن تُستنزف في صراعات جانبية.
  2. توسيع قوالب العمل الشبابي؛ بما يمكن من استثمار العمل المجتمعي كبوابة ذهبية لانتزاع المصداقية، ويعزز بناء القيادات الشابة. وفي هذا السياق، تبرز الفنون والرياضة كمنصات إبداعية لردم الفجوات وتعزيز التعايش، بينما تتحول الوسائط الرقمية والإعلامية إلى جسور تربط الشباب في المناطق الريفية والحضرية، مما يسمح بخلق مجتمعات افتراضية تحشد الدعم والمناصرة.
  3. تطوير الحراك الشبابي الحالي بالانخراط في تحالفات مدنية، حتماً سيضيف لها الشباب مهارات نوعية في استثمار منصات التواصل وتوسيع نطاق التأثير، وتكثيف برامج التثقيف المدني ومداخل فهم تعقيدات الأوضاع ومآلاتها؛ وبالمقابل، تمنحهم الكفاءة اللازمة لإنشاء قنوات اتصال مباشرة مع الفاعلين المحليين والدوليين، وضمان إدماج رؤاهم وأولوياتهم في صلب الدستور.
  4. المعضلة الكبرى التي تبدد طاقات الشباب في تشتيت الجهود وغياب الرؤية والقيادة الموحدة؛ لذا فإن الرهان يكمن في ترسيخ العمل الجماعي الذي يمنح الشباب صوتاً مسموعاً. إن الأحقية في التمثيل لا تُكتسب بالادعاء، بل بالانغماس في القواعد وخدمة المجتمع؛ فالعمل المنظم هو القناة الوحيدة لانتزاع التفويض الحقيقي، وتحويل المبادرات المشتتة إلى قوة تمتلك المشروعية.
  5. عملية إعادة الإعمار تهدف إلى وضع ركائز التنمية لضمان انتقال مستدام نحو السلام ومنع الارتداد إلى مربع الحرب، إلا أن تنفيذ هذه العملية يواجه تحديات كبرى، وهو ما يستدعي اضطلاع الشباب بدور استراتيجي في بلورة تصورات اعادة الاعمار والتعافي الوطني من منظور شبابي.
  6. صياغة رؤية وطنية شبابية مستمدة من حراك الشارع وعمق المأساة ومستقبل السودان من زاوية حقوق المواطنة المتساوية. فقد اكدت الحرب أن وعي الشباب قد نضج إلى حد كبير، ولم تعد الشعارات الحماسية قادرة على دغدغة مشاعره أو تزييف إرادته. إنهم يبحثون عن دولة القانون، وعن العدالة الاجتماعية، وعن السلام العادل الذي يخاطب جذور الأزمة. وهذا يتطلب الي جانب الرؤية الوطنية صياغة مدونة المشاركة السياسية؛ وقديماً قال أفلاطون: “من يعزف عن المشاركة في الحياة السياسية سيُعاقَب بأن يُحكم بمن هم دونه ومن لا يراعون مصالحه”.
  7. إدراك ان ما تحقق في ثورة ديسمبر هو الدرس الأول في كتاب التحرر والانعتاق، والدروس القادمة ستكون أكثر عمقاً وتأثيراً في مسيرة بناء الوطن. وأكبر التحديات وأخطرها الشعبوية بغطائها الديني او الإثني، والتي تحاول الالتفاف على الوعي النقدي واستغلال حالة السيولة والفوضى لإعادة إنتاج الاستبداد او التقسيم. إن مواجهة الشعبوية تتطلب مشروعاً ثقافياً يقطع الطريق أمام الذين يقتاتون على إثارة الكراهية، عبر برامج واقعية تعيد الاعتبار للهوية الجامعة والوحدة الوطنية.
  8. تحويل تجمعات المقاهي في الخارج ومجالس النزوح في الداخل إلى منتديات فكرية تتجاوز السرديات المعلبة، لتعيد قراءة مشهد الحرب وتفكيك التقاطعات الخارجية مع أزمتنا الوطنية، واستخدام مداخل متجددة وتوثيق التجارب. هذه النقاشات ضرورة لبناء سردية شبابية واعية تعبر عن طبيعة الحرب وتقدم مخرج وطني نابع من فهم عميق للأزمة.
  9. تعددت الحواجز التي دفعت الشباب نحو الزهد في العمل الحزبي؛ حيث يصطدم طموحهم بغياب الديمقراطية الداخلية وانزلاق الأحزاب نحو البراغماتية المفرطة، مما جعلها في نظر الشباب مجرد هياكل جامدة تخدم مصالح نخبة. يُضاف إلى ذلك دور الإعلام، الذي أسهم بقصد أو دون قصد في تعميق فجوة الثقة عبر التركيز على الوجه المظلم للممارسة الحزبية وإبراز صراعاتها. وفي المقابل، فشلت الأحزاب في تسويق نفسها كضرورة دستورية وقنوات شرعية للوصول إلى مراكز القرار، مما ترك الساحة لصور ذهنية كرّست عزلة الشباب وأجهضت جوهر الحزب كأداة لخدمة المجتمع وتحقيق الإصلاح. وتفاقمت الفجوة بين الشباب والعمل الحزبي بفعل سياسة أمنية مشوهة ترى في الانتماء الحزبي صداماً مع الدولة ومخاطرة تجلب الملاحقة أو الحرمان. ومن جانب آخر، تبرز الجدلية بين طبيعة العمل الحزبي الذي يتطلب نفساً طويلاً وتضحيات جسيمة، وطبيعة الشباب الذين يميلوا إلى قطف الثمار السريعة. الصحيح؛ تحويل هذه الجدلية إلى علاقة تبادلية تقوم على النقد والانتماء والتطوير بدلاً عن المغادرة. إن مشاركة الشباب في بناء الأحزاب هي الضامن لتحويلها إلى كيانات قادرة على التكيف مع التحولات الرقمية واستثمار العولمة لنشر قيم الديمقراطية بتكلفة أقل وفعالية أكبر.
  10. الوعي التام بأن هذه الحرب ما هي إلا محاولة أخيرة لوأد ثورة ديسمبر التي سُقيت بدماء الشباب، وفهم أن الاستمرار في مراهنة المتحاربين وأمراء الحرب المستثمرين في الأزمات هو انتظار لسراب لن يورث إلا ضياع مستقبل الوطن. وعليه؛ فإن المهمة التي لا تقبل التأجيل هي اطلاق عمليات “حوار أقران” وحملات “ارضاً سلاح” بالتوعية بعدم الانخراط في القتال وذلك لوضع حد لنزيف الدماء.
  11. تحويل غرف الطوارئ والتكايا إلى شكل حكم مدني قاعدي، لكي يمتد دورها إلى الإعمار الثقافي والمدني عبر إعادة تأهيل المراكز الشبابية والأندية والمكتبات، لمواجهة آثار التعبئة الحربية والتجييش القسري، والحد من تغلغل ثقافة العنف التي تروج لها خطابات المقاومة الشعبية العنيفة، كما يشمل تطوير المبادرات الشبابية كمنصات للتثقيف المدني لتحليل خطاب الكراهية، وتمليك الشباب أدوات التفكير النقدي التي تمكنهم من كشف الوعي الزائف.

التعليقات