بقلم : د.مروة فؤاد قباني
خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقم
تُمثّل عودة بنك السودان المركزي لمباشرة أعماله من داخل ولاية الخرطوم تحولاً استراتيجياً مهماً في مسار الدولة السودانية بعد الحرب، إذ تتجاوز هذه الخطوة بعدها الإداري لتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الانتقال المنظم من إدارة الأزمة إلى التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
أولاً: البعد الاستراتيجي للسياسة النقدية
تشير عودة البنك المركزي إلى مقره الطبيعي في العاصمة إلى استعادة مركز القيادة النقدية للدولة، بما يتيح إدارة أكثر فاعلية للسياسات المتعلقة بالعملة الوطنية، وضبط معدلات التضخم، وإدارة السيولة والاحتياطات النقدية.
ويعزز هذا الوجود قدرة البنك على اتخاذ قرارات سريعة ومتناسقة تتلاءم مع متطلبات المرحلة الانتقالية، ويضع الأساس لاستقرار نقدي يُعد شرطاً أساسياً لأي عملية تعافٍ اقتصادي مستدام.
ثانياً: إعادة تنشيط الجهاز المصرفي والقطاع الإنتاجي
استراتيجياً، تشكل عودة البنك المركزي نقطة ارتكاز لإعادة تشغيل الجهاز المصرفي من داخل الخرطوم، إذ تمثل مظلة ثقة للبنوك التجارية والمؤسسات المالية للعودة واستئناف نشاطها.
وينعكس ذلك مباشرة على تحريك عمليات الإيداع والسحب والتحويلات، وتوسيع نطاق التمويل للأنشطة الإنتاجية والتجارية، بما يسهم في إعادة الدورة الاقتصادية تدريجياً ويدعم جهود إعادة الإعمار.
ثالثاً: استعادة كفاءة الدولة المؤسسية
من الناحية المؤسسية، تؤكد عودة البنك المركزي عودة واحدة من أهم مؤسسات السيادة الاقتصادية للعمل من العاصمة، وهو ما يعزز انتظام عمل الدولة وتحسين أدائها. كما يتيح القرب المكاني تنسيقاً أكثر فاعلية مع وزارة المالية والجهات ذات الصلة مثل الجمارك والضرائب والأجهزة الرقابية، بما يدعم تكامل السياسات المالية والنقدية ويحد من الاختلالات الإدارية التي أفرزتها ظروف الحرب.
رابعاً: رسائل الطمأنة وبناء الثقة
تحمل هذه الخطوة أبعاداً رمزية وسياسية لا تقل أهمية، إذ تبعث برسالة طمأنة داخلية للمواطنين والقطاع الخاص مفادها أن العاصمة الخرطوم تشهد عودة تدريجية للحياة والاستقرار، وأن الاقتصاد الوطني بدأ يتحرك نحو التعافي. كما توجه رسالة خارجية للمستثمرين والمؤسسات الإقليمية والدولية بأن السودان يدخل مرحلة يمكن البناء عليها لإعادة العلاقات المالية وجذب الدعم وتمويل مشروعات الإعمار.
خامساً: إدارة التوقعات وتحديات المرحلة
ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن عودة البنك المركزي، تمثل إجراءً تأسيسياً ضمن مسار طويل يتطلب سياسات متكاملة، وإصلاحات هيكلية، وتضافر الجهود الرسمية والشعبية لضمان تعافٍ حقيقي ومستدام.
ختامًا:
إن عودة بنك السودان المركزي للعمل من داخل ولاية الخرطوم تمثل عودة شرايين الاقتصاد الوطني إلى العمل من مركزه الطبيعي، وتؤسس لمرحلة إستراتيجية جديدة تنتقل فيها الدولة من إدارة الصمود إلى إدارة التعافي وإعادة الإعمار، مع استعادة تدريجية لثقة المواطنين والمؤسسات في الدولة ونظامها المصرفي، ووضع لبنات الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل.
التعليقات