مستخلص:
بينما تنشغل المدافع برسم حدود الدم على الخارطة السودانية، يبرز السؤال الوجودي الأكثر إلحاحاً لليوم التالي ومستقبل السودان؛ هل تنهض الأحزاب السودانية من ركام الحرب، أم أنها ستحترق في نيرانها؟ إن مأزق السودان اليوم يتجلى في صراع عسكري على السلطة، وفي أزمة فراغ سياسي كبرى كشفت عورة “البداوة السياسية” التي نخرت عظام الأحزاب التاريخية والحديثة على حد سواء

إن بناء سودان ما بعد الحرب لن يتحقق بصفقات المحاصصة واجترار تجارب ماضوية، وإنما بـ”صَبّة جديدة” تنتقل بالعمل السياسي من ارتهان الولاءات التقليدية والأيديولوجية إلى اعتماد المؤسسية البرامجية التي تعيد اندماج الأحزاب ذات التوجه المشترك. إن جسارة التغيير تكمن في القدرة على اجتراح طريق يكسر الحلقة الشيطانية، ويستبدل شرعية القوة بقوة الشرعية. فما لم تتحول الأحزاب من جزر معزولة وأدوات للتعبئة الشعبوية إلى منصات ذكية قادرة على إدارة التنوع وبناء الدولة، فإن اليوم التالي لن يكون سوى إعادة إنتاج محطات الإخفاق، ولكن بتكلفة هذه المرة قد تودي بما تبقى من كيان الوطن.

لا ديمقراطية بدون أحزاب:
معلوم بالضرورة أن علاقة الأحزاب بالديمقراطية تشكّل أحد أهم محاور السجال السياسي في العالم. ولم يعد خافياً أن الأحزاب كثيراً ما باتت تتعرض لخطابات تشكيك في جدواها. لكن حتى اليوم لا يمكن تصور ديمقراطية بدون أحزاب سياسية. ووفق التعريف السائد، فإن الأحزاب السياسية هي تنظيمات تم إنشاؤها على وجه التحديد للتعبير عن الإجماع وتسهيل مشاركة المجتمع في صنع القرار السياسي، وتوجيه الطابع التمثيلي للديمقراطية، وعليها تتأسس لكي تعبّر عن حقوق المواطنين من خلال توافق الآراء، على أساس ممارسة حقهم الدستوري في التنظيم والمشاركة في السياسة.

وفي مفارقة للتاريخ والواقع، أطلق الدكتور عصام صديق، مستشار الرئيس المعزول مبادرة “ديمقراطية بلا أحزاب”. هذه الأطروحة غير المتماسكة تنطوي على خطورة فكرية وسياسية؛ لأنها تتجاهل أن الأحزاب ليست مجرد هياكل تنظيمية يمكن الاستغناء عنها واستبدالها، بل أدوات أساسية لتنظيم الإرادة الشعبية، وتجميع المصالح، وصياغة البرامج، ومساءلة السلطة بشكل مؤسسي. فإلغاء الأحزاب يفتح الباب لتحويل الديمقراطية إلى ممارسة شكلية تقوم على أفراد أو مجموعات غير منتخبة فعلياً، أو على قوى الأمر الواقع مثل القبيلة أو المال أو النفوذ العسكري، وهي بدائل تاريخياً كانت أكثر مصادرة لإرادة الشعب. كما أن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية فشل التجربة الديمقراطية في السودان يمثل تبسيطاً مخلاً؛ لأنه يغفل أدوار الانقلابات، وضعف المؤسسات، والتدخلات غير المدنية، مما يجعل الدعوة إلى ديمقراطية بلا أحزاب أقرب إلى هدم آلية الإصلاح السياسي بدل إصلاحها، وتمهّد لإعادة إنتاج الاستبداد تحت غطاء عسكري.

صحيح؛ لم تكن التجارب الديمقراطية في السودان ناجحة بالقدر الكافي، وفي المقابل كانت التجارب العسكرية فاشلة تماماً. فالنظام الديمقراطي ليس هو المشكلة في ذاته، وليس حلاً بأي حال من الأحوال استدعاء المؤسسة العسكرية للحكم؛ إذ إن أخطاء الديمقراطية لا تُعالج بالعسكرية بل بمزيد من الديمقراطية. هذا، ويظل السودان نموذجاً لتدخل المؤسسة العسكرية في الحكم لوأد التجارب الديمقراطية، حتى انتهى الحال بتجريف السودان من كفاءته السياسية.

بالمقابل، تكشف التجربة السودانية أن مأزق الديمقراطية لم يكن وليد تدخل العسكر وحده، بل نتاج عجز بنيوي في الأحزاب السياسية عن التحول من أدوات تعبئة شعبوية إلى مؤسسات حديثة لإدارة الدولة. فالتأسيس التقليدي والعقائدي حوّل الأحزاب إلى حوامل لهويات ما قبل الدولة، تُقدّم الولاء على الكفاءة، والتسوية على التنافس البرامجي، ما أضعف قدرتها على إنتاج مشروع وطني جامع أو حماية النظام الديمقراطي عند الأزمات. وبدل أن تكون الأحزاب رافعة لبناء مؤسسات مستقرة، أسهمت في إفقاد السياسة بعدها المؤسسي، الأمر الذي جعل الانقلابات العسكرية تبدو في وعي قطاعات واسعة بديلاً للأحزاب. وعليه، فإن استعادة الديمقراطية تظل مشروطة بإعادة تأسيس الأحزاب فكرياً وتنظيمياً على أساس المواطنة والبرنامج، وبناء دولة تتقدم فيها السياسة بوصفها إدارة عقلانية للاختلاف لا امتداداً للصراع.

السياق التاريخي:
مثّلت الأحزاب السودانية، منذ بواكير الحركة الوطنية، ركيزة أساسية في تشكيل الوعي العام وبناء الفعل السياسي المنظم، وأسهمت بدور مشرق في مقاومة الاستعمار، وقيادة معارك الاستقلال، وترسيخ قيم التعددية والحريات العامة. كما كانت الوعاء الذي عبّرت من خلاله قطاعات واسعة من المجتمع عن تطلعاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ورغم ما شاب التجربة الحزبية من إخفاقات، فإن الأحزاب ظلت حاضنة للنقاش الفكري، ومصدراً لتخريج القيادات الوطنية، وآلية سلمية لتداول السلطة ومساءلة الحكومات، وأسهمت في الدفاع عن وحدة السودان، وتعزيز التنوع، ومناهضة الشمولية والانقلابات، مما يجعل تاريخها جزءاً أصيلاً من المسار الديمقراطي لا يمكن اختزاله أو تجاوزه في التجربة الوطنية.

كوّنت الأحزاب السودانية استجابةً لدواعٍ موضوعية فرضتها ظروف تاريخية واجتماعية محددة، في مقدمتها مناهضة الاستعمار وبناء الدولة الوطنية الحديثة، حيث مثّلت إطاراً منظماً لتجميع الإرادة الشعبية والتعبير عن تطلعات السودانيين في الحرية والاستقلال والحكم الذاتي. وجاءت نتيجة حتمية لحاجة المجتمع إلى أدوات جماعية تعبّر عن تنوعه الثقافي والاجتماعي والجغرافي، وتحول هذا التنوع إلى مواقف سياسية أسهمت في وضع لبنات المشروع الوطني وصياغة هوية الدولة السودانية ومؤسساتها في مراحلها التأسيسية الأولى.
فقد اتخذت الأحزاب السياسية أنماطاً متباينة، لكنها اشتركت، بدرجات متفاوتة، في الإسهام في عدم الاستقرار السياسي؛ إذ برزت أحزاب تقليدية تأسست على الولاءات الدينية والاجتماعية أكثر من ارتكازها على البرامج والرؤى الحديثة، وأحزاب أيديولوجية استوردت نماذج فكرية جاهزة دون مواءمة مع الواقع السوداني وتعقيداته، إلى جانب أحزاب جهوية ومناطقية عبّرت عن مظالم محلية أكثر من تعبيرها عن مشروع وطني جامع، فضلاً عن أحزاب نخب محدودة الانتشار وضعيفة الجذور في المجتمع.

عجزت هذه التشكيلات مجتمعة عن بناء توافق وطني مستدام أو إدارة التعدد والخلاف عبر آليات ديمقراطية راسخة، فلجأت إلى منطق الصراع الصفري، والتحالفات الهشة قصيرة الأمد، واستدعاء المؤسسة العسكرية لحسم النزاعات السياسية، الأمر الذي قاد إلى تقويض التجارب الديمقراطية القصيرة، وتكرار التجارب الانقلابية الطويلة، وترسيخ حلقة مفرغة من الاضطراب وانقطاع الحكم الدستوري.

وهذا لا ينفي حقيقة أن الأحزاب السياسية ضرورة لا غنى عنها. فقد واجهت تحديات مرتبطة بالتنمية غير المتوازنة، والأزمات الاقتصادية المتراكمة، وإشكالات الهوية الوطنية وإدارة التنوع، إضافة إلى ضعف الدولة ومؤسساتها. هذه التحديات فرضت أعباء هائلة على التجربة الحزبية، وأضعفت قدرتها على التطور والتجدد، فتحولت الممارسة السياسية من أداة للبناء الوطني إلى ساحة صراع على السلطة، وأفرزت ذهنية مدنية استبدادية متدثرة بشعارات الديمقراطية، تستقوي بالبندقية حين تعجز عن الحسم السياسي، فتكون الانقلابات نتاجاً مباشراً لتناقضات الأحزاب نفسها، وترتد نتائجها الكارثية أولاً على تلك الأحزاب، ثم على مسار البناء الوطني، لتدخل البلاد في حلقة شريرة من الاستبداد والانقطاع الديمقراطي.

شهدت الساحة الحزبية في عهد الإنقاذ حالة من التجريف المتعمد والترهل المصطنع؛ حيث فُتح الباب أمام مئات الأحزاب الكرتونية لتأسيس مشهد ديمقراطي زائف، واستُهدفت الأحزاب بعمليات تفتيت ممنهجة. لقد شكّلت الإنقاذ ثنائية مأزومة: أحزاب تقليدية تتماهى فيها الزعامة الشخصية مع المؤسسة الحزبية، وأحزاب أيديولوجية حبيسة توجهاتها الفكرية وتنظيماتها المغلقة، فاقدة جاذبيتها بارتباطها بمصادر فكرية آفلة، مما خلق مشهداً مشوهاً عجزت فيه الأحزاب عن تقديم بديل مواكب يتجاوز عثرات الماضي وصراعات الهوية، وحوّلها إلى عبء على التحول الديمقراطي بدلاً من أن تكون قاطرة له.

إن من أكبر أخطاء التجربة السياسية خلال المرحلة الانتقالية غياب تحديد الأولويات، وفي مقدمتها الإصلاح السياسي والإصلاح الأمني والعسكري، إلى جانب عدم اتخاذ إجراءات حاسمة لمحاصرة الاقتصاد الموازي، وضعف الانفتاح على العقول والخبرات الوطنية، وإهمال استكمال ترتيبات التحول الديمقراطي عبر سن قوانين الأحزاب السياسية والانتخابات والنقابات، والتركيز المفرط على المركز على حساب الولايات، وعدم إعادة ترتيب وتنظيم وتوحيد قوى الثورة، وتوسعة قاعدة الانتقال، وتعزيز التواصل مع الجماهير، مما أسهم في إضعاف الحاضنة الشعبية. وقد أدت الصراعات الجانبية التي هيمنت على المشهد خلال الفترة الانتقالية إلى إبعاد التركيز عن معركة البناء الديمقراطي، ما أتاح الفرصة لقوى الثورة المضادة لتقويض الانتقال عبر انقلاب 25 أكتوبر 2021. هذا ما خلصت إليه ورشة تقييم الفترة الانتقالية (20–24 يوليو 2022).

تشخيص واقع الأحزاب في ظل الحرب:
تعكس حالة الأحزاب في ظل الحرب ذروة أزمة بنيوية ممتدة، تقوم على ضعف المؤسسية وغياب البرامج، وقد جاءت الحرب لتكشف هذا الخلل وتعمّقه، إذ حوّلت الخلافات من اختلافات مشروعة في التقدير والتحليل إلى انقسامات حادة تُبنى على أسس جهوية وعرقية واجتماعية، لا على رؤى وطنية، ما أدى إلى تمزق معظم الأحزاب إلى مجموعات صغيرة متنافرة، وتراجع دورها لصالح اصطفافات ضيقة، وتآكل ثقة الشارع فيها، الأمر الذي أضعف إمكانية تشكّل جبهة مدنية متماسكة قادرة على بلورة مشروع وطني لوقف الحرب أو إدارة ما بعدها، وفتح الباب واسعاً أمام إعادة إنتاج أنماط الحكم الشمولي وهيمنة السلاح في ظل غياب بديل سياسي منظم.

تعاني الأحزاب السياسية من أزمة عميقة في علاقتها بالمجتمع، نتيجة عجزها عن تحديث خطابها وبرامجها بما يواكب التحولات الاجتماعية والسياسية، إذ تفتقد غالبية الأحزاب الديمقراطية الداخلية، نتيجة غياب الاجتماعات الدورية التي تُحسم فيها مواقع النفوذ والتحالفات السياسية، ما عمّق الإحباط داخل القواعد وكرّس الانقسامات، وحوّل الخطاب الحزبي إلى خطاب نخبوي لا يلامس هموم المجتمع ولا يبادر بمشروعات واقعية أو برامج توعوية مستمرة، الأمر الذي أفقد الأحزاب قدرتها على التعبئة والتأثير، وجعلها بعيدة عن الشارع الذي يُفترض أن يكون مصدر شرعيتها. بل اصطف بعضها خلف طرفي الحرب، وتراجع بعضها الآخر تحت ضغط السلاح لصالح شرعيات موازية.

وبالتالي فقدت الأحزاب قدرتها على إنتاج خطاب يوحّد الوجدان القومي، وانجرفت بعضها قسراً أو طوعاً نحو محاور الصراع وتجييش الهويات، وعلى إنتاج برامج واضحة تستجيب لتطلعات المواطن المنهك بالفقر والحروب، والذي لا يبحث عن شعارات كبرى بقدر ما يتطلع إلى الأمان والعيش الكريم. فقد ظلت الأحزاب أسيرة أنماط بالية فقدت قدرتها على التجدد، وتآكلت شرعيتها الاجتماعية، ولم تعد قادرة على تمثيل الواقع المتحوّل أو تقديم مشروع وطني جامع يلامس هموم الناس الفعلية. ويزداد هذا المأزق عمقًا مع تحوّل الحزب الواحد إلى عدة كيانات تحمل الاسم ذاته والشعارات نفسها، مما جعلها جزءًا من المشكلة بفتح المجال أمام قوى سلطوية لملء الفراغ السياسي.

مستقبل الأحزاب السودانية:
يتحدد مستقبل الأحزاب السياسية بين مسارين وجوديين؛ ففي حال استمرار الحرب، ستنزلق نحو مزيد من الانقسام السياسي، حيث تتحول تدريجياً إلى شبكات مصالح مشتتة تبحث عن البقاء الرمزي تحت حماية القوى المسلحة أو النفوذ الإقليمي، مما يجرّدها من دورها كقائد للتحول السياسي، ويجعلها مجرد صدى لموازين القوى على الأرض، مما يفتح الباب أمام عودة الحكم الشمولي الذي يقتات على الفراغ المدني وعجز الأحزاب، مروجاً لشرعية العسكرة كضرورة لإنقاذ دولة متداعية في مهب العنف والانهيار الاقتصادي.

أما في سيناريو ما بعد الحرب، فإن الأحزاب تواجه اختباراً أخلاقياً وسياسياً يتطلب جسارة التغيير عبر المصارحة العامة والاعتذار السياسي عن إرث العجز، لتشكّل كتلة مدنية متماسكة قادرة على صياغة ميثاق حقيقي يعيد تعريف الوظيفة الحزبية وتحديد قواعد اللعبة. إن النجاة من سيناريوهات التآكل تظل رهينة بقدرة الأحزاب على التحرر من إرثها التقليدي، وتبني رؤية صلبة لإعادة بناء الدولة على أسس تكسر احتكار العسكرة للحقل السياسي؛ فالمجتمع المنهك يبحث عن مركز سياسي رشيد يستعيد هيبة المؤسسات، ويقود السودان نحو دولة مستقرة تحكمها قوة الشرعية لا شرعية القوة.

على ضوء ذلك؛ فإن مستقبل الحياة السياسية مرهون بالوفاء باستحقاقات لازمة لابتعاث جديد يخرج الأحزاب من حالة الاحتضار السياسي إلى استعادة زمام المبادرة، أهمها:

  1. يحتاج السودان إلى ثورة حزبية تقتلع جذور البداوة السياسية. الأحزاب اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما الانبعاث بمؤسسات برامجية رصينة، أو الانتحار الجماعي تحت أقدام العمى السياسي. هذه دعوة صريحة إلى مساومة تاريخية تقوم على القبول ببرنامج حد أدنى جامع، يحترم تعددية الرؤى وتنوع المواقف، دون إقصاء أو هيمنة، ويؤسس لتوافق عقلاني يتقدّم فيه المشترك على الخلافي. مساومة يكون جوهرها الاتفاق على أولويات لا تحتمل التأجيل، في مقدمتها وقف الحرب، وإرساء دعائم السلام، وصون الوحدة الوطنية، بما يجنّب البلاد دوامات الفقر والتخلف والحرب والتقسيم، ويعيد توجيه الصراع من معركة وجودية مدمرة إلى تنافس سياسي منضبط داخل إطار الدولة. إن مثل هذه المساومة لا تعني تسوية انتهازية أو تعطيل الاختلاف، بل تمثل مدخلاً واقعياً لإدارة التنوع السوداني، وتحميل النخب السياسية مسؤوليتها التاريخية في بناء حد أدنى من الاستقرار يسمح للمجتمع باستعادة أنفاسه، وللدولة بإعادة التأسيس على أسس عقد إجتماعي جديد.
  2. التخلص من البندقية كمدخل للسلطة لصالح العمل السياسي المدني، وإعادة تأسيس العلاقة بين السياسة والدولة على أساس احتكار الدولة للسلاح وفق القانون، وتفكيك اقتصاد الحرب بتجفيف مصادر تمويل الجماعات السياسية المسلحة، وربط المشاركة السياسية الصريحة بنزع السلاح.
  3. تقتضي المصارحة الاعتراف بأن الحرب الجارية ليست حدثاً معزولاً، بل نتاج خلل عميق في بنية الأحزاب السودانية وعجزها عن قراءة طبيعة الصراع ومآلاته في سياق ما بعد نظام الإنقاذ، فقد أسهم الإخفاق في فهم التوازنات، والتمسك بخطابات قصوى لا تراعي حدود الممكن السياسي، إضافة إلى انقسام قوى مدنية وخروج مكونات فاعلة إلى دائرة التحالف مع العسكر، في تهيئة المناخ للانقلابات والحروب. هذا المسار كشف غياب حد أدنى من التوافق حول قضايا التغيير الأساسية، وهو ما حرم العملية السياسية من آليات الوقاية التي كان يمكن أن تحول دون الوصول إلى خيار الحرب بوصفه أكثر المنزلقات تدميراً.
  4. إن المهمة العاجلة للأحزاب ليس في التخلي عن تبادل الاتهامات فحسب، بل في استخلاص الدروس وتحويل الحرب إلى لحظة مراجعة تاريخية شاملة. ويبدأ ذلك بتحصين قواعدها من الانحياز إلى أطراف الصراع، وتكثيف التثقيف المناهض للحرب، والإقرار بأن ما تعذّر إنجازه عبر السلم لا يمكن تحقيقه تحت نيران البندقية. كما تفرض المرحلة توحيد موقف الأحزاب في إدانة الحرب وإنهاكاتها، وبناء جبهة مدنية واسعة تسهم في حماية النسيج الاجتماعي والاستعداد لما بعد الحرب، ليس فقط بإعادة الإعمار المادي، بل بمعالجة الجراح النفسية والوجدانية. وفي موازاة ذلك، يصبح التواصل الإقليمي والدولي واجباً سياسياً لوقف الحرب وفتح المسار السلمي، عبر تحالفات مدنية غايتها النهائية استعادة الوطن لا اقتسام أنقاضه.
  5. إن الإصلاح السياسي لا يبدأ بتغيير الوجوه، بل بتغيير أنماط التفكير السياسي، وإعادة ضبط البوصلة السياسية بالانتقال من “تيه الأفراد” إلى “هيبة المؤسسات” لخلق توازن بين مركزية القرار وعدالة المشاركة. فما لم يصبح الصف واحداً والمنهج أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً، ستظل الأحزاب مجرد شعارات خاوية تطحن التاريخ وتُهدر مستقبل الانبعاث القومي.
  6. إن معركة السلام ليست مجرد وقف لإطلاق النار، بل هي استرداد للشرعية السياسية المدنية التي تعرضت لحملات شيطنة وتخوين ممنهجة؛ لذا فإن تصحيح الوعي العام بدور الأحزاب كقواعد حماية للنظام الدستوري وأدوات للاندماج الاجتماعي هو المدخل الوحيد لتحويل السلام من غاية أخلاقية نبيلة إلى واقع سياسي ملموس ومستدام.
  7. تفعيل استراتيجيات التحالفات الذكية والشبكية المرنة مع كل مكونات المجتمع السوداني الأخرى، وضرورة تمكين النساء والشباب في مراكز صنع القرار لا في واجهات التزيين. فمن خلال المكاشفة الصريحة حول القضايا الحساسة والعالقة، يمكن للأحزاب السودانية تحويل جراح الحرب إلى وقود لبناء كتلة تاريخية صلبة قادرة على كسر الدائرة الشيطانية وتحقيق الانبعاث المنشود.

التعليقات