أندبندنت عربية : إسماعيل محمد علي

فيض من المشاعر، ونخوة لا توصف، أظهرها المجتمع السوداني بكل فئاته ومكوناته لكفكفة جراح وأحزان متضرري الفيضانات، الذين وجدوا أنفسهم في لحظة غادرة يصارعون المياه التي دمرت منازلهم ومزارعهم وممتلكاتهم، لكن سرعان ما تحول حزنهم لابتسامة وفرح، وهم يشاهدون الهبة الشعبية التي عمت كل أنحاء البلاد لإنقاذهم من هول الكارثة التي ألمت بهم، وتقديم يد العون والمساعدة لإيوائهم وإطعامهم في موقف مشهود يعبر عن قيمة وعظمة التعاضد والتكافل المجتمعي.
كثير من المشاهد والقصص المعبرة لمثل هذه المواقف الإنسانية ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي، واحتفت بها كمواقف مشرفة تدل على مدى التفاني والتباري في فعل الخير الذي اشتهر به هذا الشعب، وإن كانت هذه المواقف غير مُستغربة في المجتمع السوداني الذي عرف عنه التكافل والتآزر في المحن والشدائد.

تضامن وتكافل

الرشيد محمد إبراهيم أستاذ جامعي، أحد متضرري الفيضانات، والذي انهار منزله القريب من النيل الأبيض بمنطقة جبل أولياء (جنوب الخرطوم)، أمام عينيه في ليل مظلم، وهو ينظر لهدير المياه تحيط به من دون هوادة، علق على ما وجده من تضامن وتفاعل من المجتمع السوداني، بقوله “أنا أعيش هذه الأيام أغرب أيام الدنيا لأني أتعامل مع حالة الحزن والفرح في وقت واحد، ولأن النيل غمرني بمياهه فرد عليه إخواني وأحبابي بفيضهم وكرمهم وترحابهم حتى تراجع البحر خجلاً كحال جنود الله عندما يأتيهم الأمر من قبل ومن بعد، فشكراً أمواج البحر المتلاطم، فعبرك سمعت صوت إخواني في الدنيا والآخرة. فهناك من هاتفوني فجراً عاجلاً كالغيث وكأنهم أحسوا بظلمة ليلنا يبشرونني بأن الله لن يذرك وحدك ونحن معك، وكذلك أحبابي من كل بقاع الأرض، فظللت أستقبل مكالمات ومبادرات من إخوة لم يروني إلا عبر الفضاء”.
وتابع “شكراً وفيراً أيها البحر على كل نقطة ماء رشقتني بها، فكانت سبباً في أن يغمرني أحبابي وأصدقائي بوابل من فيض المشاعر والعاطفة النبيلة التي لم تتوقف، بل لاحقوني يستحلفونني بالله كأني قمر بني هاشم على الناقة في دار بني النجار، والكل يسعى ويسعد بضيافته، وجميعهم أعلمهم بأسمائهم وأحس بأرواحهم حولنا هائمة، فقد كنت أظن أن لي قدرة البيان والبلاغة والوصف والتفسير للأحداث، ولكن ردود أفعال هؤلاء الخيرين فاقت قدراتي في الإجادة والبيان، فشكراً أيها البحر على تحريك الساكن والمهمل والمركون من الخير في نفوس الناس”. معتبراً ما حدث هو إرادة الله، ولا بد من العبد أن يتقبل هذه الابتلاءات بصدر رحب، لكن مثل هذه المحن تظهر معادن الناس لتجتاز المسافات والزمن”.

تجاوز المحنة

وما حدث لهذا الأستاذ الجامعي، لم يكن المشهد الوحيد، فقد تقاطرت جموع من السودانيين في كل ولايات البلاد المتضررة معلنة استعدادها لاستضافة الأسر التي فقدت منازلها من جراء الفيضانات، في بادرة تعكس مروءة المجتمع السوداني وشهامته، ويقول عن هذه المشاهد ممثل “لجان المقاومة” بالريف الشمالي محمد عبد الجليل لـ “اندبندنت عربية”، “صحيح حجم الكارثة كان كبيراً على أهالينا في منطقة الريف الشمالي لأن جميع مساكنهم تقع على النيل، وقد تساوت مع الأرض تماماً بفعل الفيضان، لكن تسارع الشباب الذين جاءوا من مناطق عدة أنقذ حياة كثيرين، لأن قوة الفيضان كانت كبيرة وسريعة، ولم يتمكن أي أحد من إجلاء ممتلكاته أياً كانت قيمتها، فجرى إيواؤهم في مناطق بعيدة من مخاطر الفيضان بتجهيز الخيام والأطعمة لهم، وآخرون ذهبوا مع أهليهم وأصدقائهم في مناطق أخرى، من دون أن يشعروا بمعاناة غير هول لحظة محاصرة المياه لهم وانهيار منازلهم أمامهم”.
وزاد “هذه المنطقة تعرضت لخسائر مادية كبيرة، لأن معظم سكانها يعتمدون على الزراعة وتربية المواشي، والآن فقدوا كل شيء، لكن يحدوهم الأمل والإيمان القوي بأن ما حصل هو قضاء وقدر، وأن سلامتهم هي الأهم، كما أن وقوف الخيرين من المجتمع وشبابه خفف عنهم ألم المعاناة، وما أصابهم من خوف وهم يصارعون قوة تيار المياه الذي داهمهم ليلاً، وما زاد من هول المصيبة انقطاع التيار الكهربائي، لكن تمكن الجميع من تجاوز هذه المحنة، إلا أن المشكلة تبقى في كيفية إيجاد مساكن دائمة لهؤلاء الأسر الموجودة الآن في مخيمات بالعراء، وهو أمر يحتاج إلى سرعة حتى لا تطول معاناتهم، بسبب ما سيتعرضون له من أمراض مختلفة جراء التدهور البيئي وتكاثر الباعوض والذباب الناقل للأمراض كالملاريا والدوسنتاريا والتيفوئيد وغيرها”.

تجهيز الأطعمة

وفي منطقة الحلفايا شمال الخرطوم التي تأثرت بالفيضان، وكذلك المناطق التي تقع بالقرب منها خصوصاً ود رملي، نصب الأهالي وجمعيات خيرية خياماً لتجهيز الأطعمة للمتضررين من الفيضانات، مما كان لها بالغ الأثر في نفوس من فقدوا مأواهم، لكن نخوة المجتمع جعلتهم أكثر قوة وعزيمة، هذا ما أشار إليه معتز عبد الله أحد المشرفين على تغذية المتضررين في هذه المنطقة، مضيفاً “فكرة تجهيز أطعمة للمتضررين جاءت من قبلنا كشباب، وأطلقناها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بعد نصب خيمة فيها التجهيزات الخاصة بالأطعمة، وخلال لحظات وصلتنا المساعدات الغذائية من مختلف قطاعات الشعب السوداني، وكذلك التبرعات النقدية، وظللنا نقدم هذه الوجبات بشكل يومي للمتضررين ولم ينقطع عنا الدعم بتاتاً، بل ظللنا نتلقى المتابعة والاتصالات من الخيرين بأنهم على استعداد لتوفير الاحتياجات المطلوبة كافة. ولا نزال نستقبل متطوعين من الشباب والشابات للعمل معنا، مما جعلنا نتوسع في هذا العمل لتصبح مجموعة خيام، وسنستمر في تقديم هذا العون حتى إعادة توطين هؤلاء المتضررين في مناطق آمنة”.
ولفت عبد الله في حديثه لـ”اندبندنت عربية”، إلى أن ما وجدوه من مساندة من فئات المجتمع شجعهم على الاستمرار في هذا العمل الطوعي، خصوصاً أنهم شباب ليس لديهم مال يمكنهم من القيام بمثل هذا العمل الذي يحتاج إلى أموال طائلة، لكن تدافع وتضامن كثيرين من الناس جعل هذا المشروع ممكناً، ولم نشعر بقيمته إلا لحظة تقديم الوجبة لطفل يصرخ من شدة الجوع، أو رجل مسن في انتظار لقمة خبز قبل أن يتناول أدوية للسكر أو الضغط وغيرها من الأمراض.

منظمات طوعية

ونشطت مع بداية هذه الفيضانات التي اجتاحت 16 ولاية سودانية من إجمالي 18 ولاية في البلاد، كثير من المنظمات غير الحكومية السودانية للعمل على مساعدة المحتاجين والمتضررين من هذه الفيضانات، لا سيما وأنها فاقت إمكانات ومقدرات الحكومة السودانية مما جعلها تعلن حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، واعتبار البلاد منطقة كوارث، ومن بين هذه المنظمات الفاعلة “منظمة نفير” الذي يرمز في السودان إلى عادة التآزر في السراء والضراء، حيث إن التضامن هو ثقافة اشتهر بها الشعب السوداني. وبحسب ياسر الخير أحد المتطوعين في هذه المنظمة، فإن مبادرة “نفير” ما هي إلا تحرك شعبي، يعتمد في المقام الأول على التدخل الميداني في حالة الفيضانات الماثلة الآن لمعاينة الخسائر الناجمة عن الأمطار، وذلك بحصر عدد المصابين والمشردين من الأسر، وعدد المنازل المهدمة، في حين يتكفل أطباء متطوعون بإعطاء الإسعافات الأولية للمصابين قبل نقلهم إلى المستشفيات إن لزم الأمر. أما من فقدوا المأوى، فنقيم لهم خياماً في أقرب مكان جاف من منازلهم”.
وأضاف “نعتمد في هذا العمل على ما يصلنا من تبرعات نقدية وعينية، وتُوزع بالأساس في شكل أغذية ومياه صالحة للشرب وملابس وأدوية. وتأتي هذه التبرعات من وكالات الأمم المتحدة ومن منظمات غير حكومية وجمعيات سودانية، وقد ساعدتنا أيضاً شركات خاصة، وكذلك يسهم معنا العديد من السودانيين المغتربين من خلال مشاركتهم في عملية جمع التبرعات”. لافتاً إلى أن ما قدموه في هذه الفيضانات فاق حجم أي عمل سابق، مما يشير إلى أن حجم الخسائر كان كبيراً، حتى اضطررنا لبث نداء لانضمام أعداد من الشباب حتى نستطيع تغطية كل المناطق المتضررة من الفيضانات.
ويعيش السودان هذه الأيام كارثة إنسانية غير مسبوقة منذ 100 عام، بسبب ارتفاع منسوب الفيضان السنوي لنهر النيل منذ نهاية يوليو (تموز) الماضي، مما أفضى إلى خسائر مُفجعة في الأرواح والمُمتلكات.
من جانبه، أكد رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، في وقت سابق، أن بلاده تتكبد خسائر مُفجعة إثر فيضان النيل هذا العام. وحتى الآن، لقي 102 من المواطنين حتفهم، وأُصيب 46 آخرون، فيما تشرد مئات آلاف السودانيين. كما تضرر أكثر من نصف مليون نسمة، وسط انهيار أكثر من 64 ألف منزل كلياً وجزئياً، ونفوق أكثر من خمسة آلاف من الماشية.

التعليقات