في مقالنا السابق، تناولنا إحدى جوانب الإدارة الأهلية في السودان كخلفية للقائنا مع ناظر قبائل الأمرأر. واليوم نتطرق إلى جانب آخر، أيضا كخلفية، لمقابلتنا مع ناظر الهدندوة سيد محمد محمد الأمين ترك. ولدت الإدارة الأهلية من رحم المجتمع القبلي، لتكون بمثابة العمود الفقري للقبيلة، وتطورت بشكل عام في كل مناطق السودان، كأساس للضبط الإجتماعي وحفظ الامن. وتقوم فلسفة الإدارة الأهلية على مبدأ أنها تنظيم إداري تاريخي منضبط قائم على نظام قانوني مرتبط بالأعراف، وأساسها هو الأرض وقضاياها، وأنها تمثل ركنا أساسيا في تصريف أعباء السلطة علي المستوي المحلي، سواء كانت هذه السلطة إدارية أو قضائية أو سلطة الإشراف على تقديم الخدمات للمواطن. ولعل «إدارة الأرض» هي أهم وظيفة للإدارة الأهلية، ويُقصد بها عملية التنسيق بين ملاك الأراضي، وخاصة المتجاورين، وبين الملاك وحركة العابرين، وفض النزاعات الناشئة والمتوقعة. فالإدارة الأهلية هي الجهة التي لها إلمام بحدود أراضي القبيلة وأراضي القبائل الأخرى، وهي التي تحدد حدود العموديات والمسارات، وأماكن الرعي وموارد المياه المشاعه والخاصة، كما تقوم بالمحافظة على الغابات ومنع القطع الجائر للأشجار، خاصة الأشجار المثمرة. وهي صاحبة السلطة المباشرة في التصرف، بموجب العرف، في أراضي القبيلة وتوزيعها على أفراد القبيلة مع مراعاة عدم التدخل في أراضي الغير، وهي التي تفصل في المشاكل التي تخص حيازات الأراضي الزراعية والسكنية والحواكير.
عند الحديث عن إعلاء قيم الضبط والسلام المجتمعي والتعايش السلمي في شرق السودان، يشع في ذهنك تاريخ وحاضر قبيلة الهدندوة، إحدى كبرى قبائل البجا في شرق السودان، وتسكن المنطقة الممتدة من بداية مدينة «خشم القربة» إلى شمال مدينة سنكات، ومن جنوب سواكن إلى المنطقة الواقعة بین خور بركة وخور لانجب، وحتى نهر عطبرة عند قوز رجب. يقول بعض الدارسين أن الإسم هدندوة يعني أبناء الأسد، ويقول آخرون أنه يعنى أبناء الزعيم، والمعنيان راجحان ومتداولان، بينما هناك معنى ثالث، غير متداول كثيرا، يقول أنه يعني قبيلة السود. ولقبيلة الهدندوة أدوار مشهودة في النضال الوطني، وكان دورهم كبيرا في الثورة المهدية، وإشتهر من زعمائهم الشیخ موسى ابراهيم والناظر محمد الأمین ترك، والد الناظر ترك الحالي، والذي تولى النظارةعام 1928 وكان معروفا بحكمته وثقافته العالية. كما إشتهر منهم فارسهم محمدین عیسى الذي أصبح مضرب المثل في الشجاعة والإقدام، ومستصحبين معنا هذه الخلفية، إلتقينا، أثناء زيارتنا إلى ولاية البحر الأحمر، بالعديد من شخصيات الهدندوة، ختمناها بلقاء مطول مع الناظر سيد محمد محمد الأمين ترك، حدثنا فيه حديث المهموم، لا بقضية الشرق فقط، وإنما بقضية السودان وأزمته العامة ومآلاتها المزعجة. يقول الناظر ترك، إن من العيوب الرئيسية في منبر جوبا لسلام السودان، أن الإتفاق في القضايا القومية والمسارات الجهوية تم بمعزل عن قوى رئيسية وأساسية، لا يمكن أصلا أن يتم إتفاق شامل بدونها.
فالقوى التي وقعت على إتفاقات مسار الشرق السودان، ليس من حقها إدعاء الإنفراد بتمثيل الإقليم، ولا يمكن إعتبارها المعبر الأوحد أو الرئيس عن قضايا ولايات الشرق، ولم يفوضها أحد بذلك. ولعل ذلك كان من ضمن الأسباب التي أدت لتفاقم النزاع واشتداد حدة الانقسام السياسي والأهلي في ولايات شرق السودان.
ويتهم الناظر ترك إتفاق مسار شرق السودان ضمن إتفاق جوبا، بتجاهل مطالب إنسان الشرق حول التنمية في الإقبيم ونسب تمثيله في هياكل السلطة، وأن ما جاء في نصوص الإتفاق بشأنهما وبشأن محاربة التهميش أقل بكثير عن ما ظل يطالب به أهالي الإقليم، وأن الإتفاق يخلق تفاوتا وتمايزا بين أقاليم السودان، فما ناله إقليم الشرق أقل بكثير عن الذي تحصل عليه إقليم دارفور وإقليم جنوب كردفان وإقليم جنوب النيل الأزرق، وكأن الإتفاق يدعوا شرق السودان إلى حمل السلاح لفرض مطالبه، أسوة بهذه الأقاليم الثلاثة، بعد إمتناعه عن ذلك منذ الإتفاق الموقع بين نظام الإنقاذ والقوى السياسية المعارضة الممثلة لمجموعات شرق السودان (أكتوبر 2006). وفي ختام حديثه، لخّص ناظر الهدندوة، سيد محمد محمد الأمين ترك، موقفهم في نقاط محددة، أكد في بدايتها تمسكه بالحوار كمخرج للأزمة الحالية رغم أنها الآن وصلت إلى طريق مسدود، وأنه يدعو الحكومة الإنتقالية للطلاع بمسؤوليتها لفتح هذا الإنسداد ونزع فتيل الأزمة. وفي هذا الصدد، تقدم بإقتراح إلتئام منبر تفاوضي مكمل لإتفاق جوبا يبحث في نواقص إتفاق مسار الشرق والمسارات الأخرى، وسط وشمال السودان، والعمل على إستكمالها بما يرضي الجميع. كما شدد الناظر ترك على أهمية إعتماد السجل المدني في كل المعاملات، وتحديدا في العمليات الإنتخابية، منوها بشدة على ضرورة مراجعته، خاصة في شرق السودان، بعد أن ألحق به نظام الإنقاذ تشويهات خطيرة بهدف تغيير الطبيعة السكانية بحثا عن الولاءات وديمومة البقاء في السلطة. وفي ختام اللقاء، أفسح الناظر ترك مساحة واسعة لطرحه حول ضرورة التوافق الوطني والعمل على تبني مشروع وطني لا يستثني أحدا، إلا من إرتكب جرما في حق الوطن والمواطن، مناديا بسرعة الدفع بهولاء إلى المحاكم وساحات العدالة.
من تلخيصنا للقاءاتنا مع المجموعات المكونة لمجتمعات ولاية البحر الأحمر، نلاحظ وجود قاسم مشترك يتعلق بشعور هذه المجموعات ببلوغ لازمة التهميش وإنعدام التنمية في الولاية درجتها القصوى إبان حكم الإنقاذ، بل وصل الأمر حد إتهام الإنقاذ بالسعي لإبادة البجا، وفق حديث من إلتقيناهم في منظمة شهداء مجزرة 29 يناير/كانون الثاني 2014 ببورتسودان. ويتعلق القاسم المشترك أيضا بوعي ذات المجموعات بضرورة إعادة هيكلة الدولة السودانية وفق أسس جديدة متوافق عليها. لاحظنا ذلك في لقاءاتنا مع البشاريين والعببادة والأمرأر ونادي البجا، والهدندوة اليوم، كما سنلحظة في تلخيصاتنا التالية للقاءاتنا مع البني عامر والنوبة وغيرهم.

كلمات مفتاحية

التعليقات