الخرطوم: أحمد جبارة
أثار إعلان -الامين العام المكلف للحركة الاسلامية علي كرتي- عن تكوين تيار إسلامي عريض تسأؤلات عديدة ، حول إمكانية عودة الاسلاميين للمشهد السياسي في البلاد ، وفيما يستبعد البعض عودة الاسلاميين إلى الاضواء ، يرى أخرون أن عودتهم ستكون في عداد المستحيلات لجهة أن تجربتهم في الحكم والتي أستمرت الثلاثين عاما كانت كفيلة بكشف زيفهم وخواء مشروعهم المتستر خلف عباية الدين ، مؤكدين أن ثورة ديسمبر إقتلعتهم من جزورهم إقتلاعا وهو الامر الذي يعني بأنه لاوجود لهم في المسرح السياسي الجديد .
*ماهو التيار العريض؟
وبحسب الأمين العام المكلف للحركة الإسلامية، علي أحمد كرتي فإنهم سيمضون في اتجاه تكوين تيار إسلامي جامع، بلا تشدد او تفريط ، وأكد كرتي -المطلوب لدى السلطات النيابية- في بيان امس إن التيار الجديد سيكون مثابة لكل اهل القبلة في البلاد وموطأ الاكناف لكل أبناء وبنات الوطن لترسيخ قيم المواطنة وتأكيد معاني الوفاق الوطني ، وأطلق كرتي مبادرة (أنا المسلم) لإحياء قيم الدين .
جموع الاسلاميين
ولعل ما يؤكد بأن الاسلاميين سيتصدرون المشهد السياسي هو ذلك الحراك الكثيف الذي أنتظم الخرطوم حيث تداعى عشرات الاسلاميين ، لإحياء ذكرى غزوة بدر والتي كانت توافق السابع عشر من رمضان ، في وقت أستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق التجمع ، معتبرة ذلك تحايلا وتجاوز لقرار حظر حزب المؤتمر المحلول .وتكرر ذات المشهد عندما شيع الآلاف من انصار الحركة الاسلامية والتيارات الاسلامية الأخرى جثمان الدكتور الزبير احمد الحسن الامين العام السابق للحركة الاسلامية إلى مثواه الاخير بمقابر بري بالخرطوم وسط حضور جموع غفيره من ذويه واقاربه وانصاره .. وفقا لهذه المتغييرات فإن ثمة إسئلة تبرز وسط المراقبون أبرزها ، مامدى قدرة الاسلاميين للعودة للمشهد السياسي ؟ وماهو مستقبلهم السياسي؟
وصفة النور حمد
الكتاب الصحفي والاكاديمي د.النور حمد ، يرى بأن عودة الاسلاميين للمشهد السياسي تحتاج إلى جملة من العوامل ابرزها ، أن يقطعوا صلتهم بالخطاب السلفي، وألا يستثمروا فيه، تكتيكيًا، لمكاسب آنية باعتباها سرعان ما تتبخر، وتضر بهم، وبالبلاد، وأوصى حمد الذي تحدث لـ(الجريدة) في وقت سابق : الاسلاميين بضرورة أن يتحولوا إلى تنظيم سياسي سوداني، بعيدًا عن الارتباط بالمنظومة الإخوانية الدولية ، بجانب أن يجعلوا نهج الغنوشي في فصل الدعوى عن السياسية هاديا لهم ، وأضاف ، كذلك عليهم إيقاف التباكي على لبن الانقاذ الذي انسكب وتسرّب في التربة، وأن يعدوا أنفسهم فكريًا وتنظيميا للانتخابات عقب الفترة الانتقالية.
تيار وطني
لكن المحلل السياسي الفاتح محجوب له رؤية مختلفة عن حمد ، إذ يقول في إفادته لـ(الجريدة) : إن الاسيلاميون تيار وطني له وزنه في المشهد السياسي وقد حكموا البلاد ثلاثين عاما وبالرغم من إنهم لم يفيقوا تماما من صدمة فقد سلطتهم وسجن قادتهم ، الا إنهم موجودون في الشارع ولهم ثقلهم الاجتماعي الكبير وما مشهد تجمعهم الكبير في تشييع الامين العام للحركة الاسلامية د. الزبير محمد الحسن الامين العام للحركة الاسلامية ليس ببعيد ، وتابع ، الفترة الانتقالية تتطلب شكل من اشكال المصالحة الوطنية مع الاسلاميين لضمان التوافق الوطني على قضايا الانتقال وللحيلولة دون انهيار الفترة الانتقالية نفسها ، بجانب المحافظة على السلم الاجتماعي وضمان قدر معقول من التوافق على قضايا الانتقال وهي الشيء المهم -“بحسب الفاتح -لانجاح التجربة الديموقراطية الجديدة ، وحول مستقبل الاسلاميين السياسي يقول الفاتح : يتوقف اساسا على مدى قدرتهم على ابتكار برنامج سياسي جديد ينفع جماهيرهم اولا ثم الشعب السوداني ثانيا وايضا يتوقف على مدى قدرتهم على التوافق فيما بينهم على هذا البرنامج لجهة إنهم الان عبارة عن مجموعة من الاحزاب والتيارات الفكرية المتنوعة جدا ، وأضاف ، كذلك مستقبلهم السياسي يعتمد على نجاحهم في كسب ود وتسامح الشعب معهم بعد تجربة حكمهم الطويلة التي استمرت لثلاثة عقود من الزمان والتي يراها الشعب السوداني أنها تجربة مريرة يجب أن لا تكرر.
تقصير حكومي
فيما لم يستبعد رئيس حزب الأمة القومي، اللواء فضل الله برمة ناصر ، من تسيد الاسلاميين للمشهد السياسي من جديد لجهة أن القوى السياسية بما فيها الحكومة لم تتخذ الاجراءات اللازمة لتأمين الثورة والتي في مقدمتها محاسبتهم في الجرائم التي ارتكوبها في حق الشعب السوداني ، ولفت ناصر إلى أن الاسلاميين حكموا البلاد ٣٠عام وهو الامر الذي يجعلهم أكثر قوى وتماسك ومن ثم العودة للمشهد السياسي ، وقال ناصر لـ(الجريدة) : إن الثورة أسقطتهم بيد أنها ارتكبت خطأ في عدم محاسبتهم ، واردف ، نلوم أنفسنا لاننا قصرنا في عدم مسألتهم في الجرائم التي ارتكوبها والان حتى الان لم يقدموا للمحاكمة ، وقال ، إن اي ثورة تقوم يجب أن تصفي أثار النظام الذي أسقتطه ، داعيا إلى تصفية النظام السابق والذي قال إن التصفية ليس يجب أن تكون في الاشخاص بل تصفية مؤسساتهم وقوانينهم .
عودة مستحيلة
أما عضو مبادرة القضارف للخلاص ، جعفر خضر ، يقول لـ(الجريدة) : إن الاسلاميين يحاولون العودة من جديد للمشهد السياسي وذلك عبر إثارة القلاقل وإيقاف عجلة التغيير وفقا لعمل مخطط له وممول من أموال الشعب المنهوبة والتي موزعة بين كوادر الحركة الإسلامية على -حد قوله- ، وأضاف ، أن الأجهزة العدلية لا زالت معطلة من اللجنة الأمنية المسيطرة عليها مجلس السيادة، وهو الامر الذي جعل محاكمة الإسلاميين لا تمضي قدما، وتابع ، ولأن لجنة إزالة التمكين لم تسترد سوى أموال محدودة من الإسلاميين، فإن قدرتهم على تمويل أنشطتهم الهدامة كبيرة جدا، كما ان ضعف قوى الحرية والتغيير وتفتت القوى الثورية بحسب -خضر- يزيد من فرص حركتهم ، وأستدرك ، لكن الجرائم النكراء التي ارتكبوها في الشعب السوداني على مدى ثلاثين عام من قتل وفساد وعنصرية تجعل عودتهم الطبيعية للساحة السياسية في عداد المستحيلات ، مشددا على ضرور أن تصطف قوى الثورة الحقيقية مجددا وذلك لدحر بقايا “الكيزان” واستكمال الثورة.
نتائج كارثية
لكن القيادي الاسلامي أسامة توفيق يؤكد على عودة الاسلاميين للمشهدة السياسي من جديد لجهة إنه وبعد مرور سنتين على التغيير فإن الحكومة فشلت في إدارة حكم البلاد وأن كل نتائجها كانت كارثية وهو الامر الذي افقدها هيبتها ، لذلك كل هذه العوامل مجتمعة بحسب -توفيق – تجعل الاسلاميين والشعب السوداني يتحرك ويكون لهم دور فاعل في المشهد السياسي ، وقال توفيق لـ(الجريدة) : إن الحكومة وقوى الحرية والتغيير تخشى من قوة الاسلاميين لذلك تريد أن تمدد الفترة الانتقالية بحيث تكون جاهزة للإنتخابات ، في وقت قال إن ذات “قحت” تعلم أن الشعب سيختار التيار الاسلامي العريض بعد فشل حكوممتهم ، وحذر توفيق من حدوث صدام بين السلطة والاسلاميين لجهة إنه سيكرر تجربة بعض دول الربيع العربي والتي في مقدمتها سوريا وليبيا ، وقال ، إن الاسلاميين الان تحولوا من الرصيف وبدأ يكون لديهم حراك أكثر فاعلية ، مؤكدا إنهم كانو جزء من التغيير ، وأن وجودهم في الرصيف ليس ضعفا منهم بل إنهم يردون أن يحافظوا على مستقبل البلاد ، وتجنيبها الفتن والحروب .